الغزو الثقافي وأمْرَكةُ العالم… واقع موجود

يتفق الجميع مع ما قالته رئيسة تحرير مجلة “الموقف الأدبي”، فلك حصرية، في الندوة الفكرية التي عُقدت مؤخراً في المركز الثقافي في أبو رمانة والتي أدارها الإعلامي محمد خالد الخضر وشارك فيها الإعلامي محمد الخضر مراسل قناة الميادين والمحامي د. محمد ساهر علوان الجاسم من أن الغزو الثقافي والفكري الحديث يُعدّ من أخطر الإشكاليات الغزوية على مرّ التاريخ البشري وذلك بسبب الخسائر الكبيرة التي يحدثها، وكون هذه الخسائر أعمق بكثير من الغزو العسكري (احتلال الأرض) فاحتلال العقول أشد وقعاً وأعظم أثراً وأعمق فاعليةً من احتلال الأرض، وبالتالي فإن المعركة في ميدان الثقافة والفكر والتعليم والإعلام ستكون أصعب من كل أشكال الحرب والاحتلال، وهي معركة حياة ودفاع شرعي عن الذات وعن حق الأجيال القادمة في مستقبل أفضل وغدٍ مشرق.

تبادل المعارف ودور المرأة

وبّينت حصرية أن عملية التداول الثقافي بين الأمم ضرورة تحتاجها المجتمعات كونها تعمل على زيادة التبادل الثقافي بين دولة وأخرى، إذ لا يمكن لشعب من الشعوب الاستغناء عن تبادل المعارف والعلوم والتجارب مع الشعوب الأخرى، في حين أن الغزو الثقافي والفكري يعمل على فرض سيطرته وقوته الناعمة وصولاً إلى تفكيك ثقافة البلد الذي تغزوه وهدم كيانه وثقافته وتاريخه ووجوده وسيادته وعوامل تماسكه وتراثه ومعتقداته، ولذلك لا بد من مواجهة هذا الغزو غير العسكري من خلال البحث عن الذات الحضارية وإدراك الشعوب لحضارتها وتراثها والإيمان الراسخ  أن تاريخها حافل بما يدفعها دوماً إلى الفخر والاعتزاز والمحافظة على كيانها وثقافتها وسيداتها من خلال معرفة الثوابت غير التابعة للنقد أو لأي شكل من أشكال التغيير، وعدم السماح إطلاقاً بالتعديل عليها أو تبديلها والمسّ بها.

وتؤكد حصرية أنه لا يمكن تناسي دور المرأة الحساس في مواجهة الغزو الثقافي باعتبارها أمّاً بإمكانها عبر وظيفتها التربوية والإنسانية متابعة أولادها والاكتشاف المبكر لميولهم وهواياتهم واستعداداتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية، ولكن ما يحزُّ في النفس هو أن جنوح المرأة الكبير لتلقف ما يقذف به العرف والبدع الفضفاضة الهشة من أمور تخص الشكل الخارجي للأنثى يحوّلها إلى تابع هزيل لا يمت إلى الوطن وقضاياه وهمومه بصلة، مشيرة إلى أن حضور المرأة الواعي والمؤثر، الملتزم والمسؤول، في التصدي لواجباتها الإنسانية ورسالتها التربوية والأسرية شاهدٌ حي ومحوري ودليل على سلامة وتمثل الوعي العالي والمسؤول وقوة الإدراك، وتؤكد حصرية أنها الأم والزوجة، المفكرة والباحثة، وهي المُصلحة المتفهمة لطبيعة مجتمعها، الغيورة على تاريخه وحضارته وتراثه وكيانه، المُحافِظة الحقيقية على ثقافته البنّاءة لا الهدّامة، السّامية لا الدّونية والحقيقيّة لا المزيّفة.

الإعلام الالكتروني

وتناول الإعلامي محمد الخضر مراسل قناة الميادين في مشاركته دور الإعلام الالكتروني في مواجهة الغزو الثقافي، منوهاً إلى أن الأمر يتعلق بالمحتوى العربي على شبكة الانترنت بكل تفاصيله كمواد فيديو وصوتيات وكتب ومقالات وأبحاث وصور، وهو محتوى ضعيف كمّا ونوعاً، ويعكس ضعف الاهتمام بالثقافة والإنتاج الثقافي والإعلامي باللغة العربية عموماً، مشيراً إلى أن معطيات الإنتاج الثقافي التي تبين أن العرب ترجموا منذ نحو ألف عام حتى اليوم مجتمعين حوالي عشرة آلاف كتاب وهو أقل مما تترجمه إسبانيا سنوياً, وأن تجارة الكتب العربية تبلغ 4 ملايين دولار سنوياً  فيما يصل المعدل لدى دول الاتحاد الأوربي 12 مليار دولار أي 3 آلاف ضعف ما هو لدى العرب مجتمعين إلا مؤشر على ضعف الحضور الثقافي العربي الذي انتقل بدوره إلى الإعلام الألكتروني باعتباره وسيلة لنقل هذا المنتوج كجزء من المشهد الثقافي، موضحاً أنه ورغم وجود نحو 1400 فضائية عربية إلا أنها لم تحدث المطلوب في ظل هيمنة مؤسسات عالمية عملاقة تحتكر توزيع الخبر والمعلومة كرويترز واسوشيتدبرس ويونايتد برس وفرانس براس حيث أن 80 بالمئة من المعلومات والأخبار تُنقل عبر هذه الوكالات بما فيها الأخبار من داخل الوطن العربي، مؤكداً الخضر أن المشهد بكليته متكامل ولا يمكن فصله ثقافياً ومعرفياً وعلمياً، الأمر الذي ينعكس على ضعف المواجهة والاستلاب تجاه كل ما هو قادم من الخارج، وجزء منه برأي الخضر ليس سلبياً كما يجري تصويره، فالمعارف والخبرات والأبحاث والفن والعلوم مفيدة لكل شعوب الأرض بمن فيهم العرب.

وختم الخضر كلامه بالتأكيد على أن الغزو الثقافي الذي يأخذ صبغة أمركة العالم واقع موجود ولا يمكن القفز فوقه، داعياً إلى الاهتمام الجماعي بدعم مراكز الأبحاث والدراسات والإنتاج التلفزيوني والسينمائي والاهتمام بالنشر الالكتروني عبر جهود مؤسسية مدعومة من شركات ومؤسسات كبيرة وليس في الإطار الفردي كمدخل لا بد منه لتعزيز الحضور الحضاري العربي بدلاً من الشكوى من الغزو الثقافي.

جرائم دخيلة

ويعترف المحامي د.محمد ساهر علوان الجاسم أننا اليوم أمام موجة عارمة من الجرائم الألكترونية وهي جرائم دخيلة على مجتمعنا، حيث لم تكن موجودة في السابق، منوهاً بالمرسوم رقم 17 الصادر عام 2012 الذي يتضمن أحكام قانون تنظيم التواصل مع الشبكة ومكافحة جرائم المعلوماتية، وقد وصفها الجاسم بالجرائم النظيفة حيث لا دم فيها ولا قتل ولكنها تحرض على ارتكاب فعل جرمي كبير، مبيناً أن أكثر الجرائم الالكترونية المنتشرة في سورية هي السبّ والشتم والتعرض للحياة الخاصة والابتزاز، موضحاً أن المرسوم 17 يتم العمل حالياً على تعديله لتكون العقوبات رادعة، مؤكداً أن هذا المرسوم لا يفعّل بطريقة صحيحة إلا بوجود سياسة الشكوى لدى المواطنين، وبغيابها نشجع المجرم على ارتكاب المزيد من الجرائم الجديدة، حيث يشهد مجتمعنا جرائم لا تخطر على البال، ويأسف الحاسم لأن العالم غزانا عبر جهاز صغير أدخلناه على حياتنا ونحن لا نعرف أن الكثير من تطبيقاته تعرضنا لخطر اختراق خصوصياتنا وحياتنا اليومية، وتجعلنا في مهب ما يُرسل إلينا ولأطفالنا، وقد تركنا هذا الجهاز بين أيديهم غير مدركين للأخطار المحيطة بهم وبنا وما يمارسه من غزو ثقافي على حياتنا.

أمينة عباس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى