صحيفة البعثمحليات

الزواج العرفي.. مساكنة تنتهي بأطفال “بلا نسب”!

دمشق- ريم ربيع
لم تدرك رهف ذات العشرين عاماً أن زواجها غير المسجّل “مؤقتاً” سيبقى على حاله إلى الأبد، فزوجها الذي تحجّج بضغط العمل لتأجيل تثبيت الزواج اختفى فجأة ولم يعد، والكارثة –تقول رهف- أنها لم تعرف عنه هي ووالدها سوى اسمه الثنائي، حيث كان الشاب يتردّد إلى بقاليتهم باستمرار بعد أن جاء إلى القرية بعقد عمل مؤقت، وبعد فترة مكّن علاقته بوالد الفتاة وتقدم لخطبتها، وتزوجها بحضور الشيخ وشاهدين، على أن يثبت الزواج قريباً. وتضيف رهف: “تزوجنا لشهرين ومن ثم غادر ليجدّد عقده ولم يعد بعدها، ولم نعرف عنه سوى اسمه الثنائي، ولدى محاولتنا رفع دعوى تثبيت زواج لم تتمكن المحكمة من معرفة هويته، حيث ورد في السجل المدني 3000 اسم مماثل، لأصبح اليوم لا معلقة ولا مطلقة”!.

مساكنة فقط
ليس طارئاً مفهوم الزواج العرفي على المجتمع السوري، ولا يعتبر وليد أزمة أو مرحلة، إذ اعتادت مختلف فئات المجتمع على مفهوم “كتاب الشيخ” أو “الكتاب البراني” كمرحلة تسبق التثبيت الرسمي للزواج، غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، فأصبحت حالات هذا العقد متشعبة وكثيرة، وخلّفت وراءها نساء بمصير مجهول وأطفالاً بلا نسب، إذ وصل الحال بالبعض لاستغلال الزواج العرفي للمساكنة فقط!. فالمحاكم الشرعية تغصّ بدعاوى تثبيت الزواج، منها ما يتمّ بسهولة وتحصل المرأة على حقوقها، ومنها ما يصعب إثباته لغياب أية بيانات عن الزوج، أو إنكار أهل الزوج للعقد العرفي في حال غيابه أو وفاته.
يدرك القانون والمشرّع مدى انتشار الزواج العرفي، لذلك تعامل معه بواقعية –حسب توصيف القاضي الشرعي يحيى الخجا- فهو أتاح كل التسهيلات لتثبيت الزواج، وبسّط الشروط بشكل كبير لتحفيز الجميع على تثبيت زواجهم، إلا أنه بالمقابل فرض عقوبات جزائية تتدرج بين الغرامة والحبس، موضحاً أن الزواج العرفي هو عقد نشأ خارج المحكمة، فهو لناحية شروطه الشكلية مطابق للزواج المعقود بالمحكمة وتبنى عليه جميع آثار عقد الزواج، على اعتبار أن الزواج في الشريعة الإسلامية رضائي، لا يحتاج طقوساً وشكليات دينية معينة كما باقي الشرائع السماوية.
عقوبات
ورأى الخجا أن الزواج العرفي منتشر بكثرة، والمشرّع رتب له آثاراً قانونية معترف فيها، خصوصاً إذا نشأ عنه حمل، حيث يتضمن العقد العرفي كافة حقوق المرأة من مهر ونفقة وغيرها، لأن القانون لم يميّز بين عقد داخل أو خارج المحكمة في حقوق الزواج والآثار الشرعية له، غير أنه لا بد في البداية من تثبيت الزواج أولاً.
وبيّن الخجا أن التعامل القضائي درج على عدم التشدّد بالعقوبة في حال كان العقد سليماً ومستوفياً للشروط، فيما صدرت في 2018 تعديلات لقانون العقوبات تضمّنت غرامات مالية حتى لو كان العقد كامل الأركان، وشدّدت العقوبة إذا كانت الزوجة قاصراً أو إذا كان الزواج فاسداً، كأن تكون الزوجة متزوجة أصلاً أو في العدة، حيث نصت المادة 469 على العقوبة بالحبس من شهر إلى 6 أشهر والغرامة من 50-100 ألف ليرة لكل من يعقد زواج قاصر بكر خارج المحكمة دون موافقة الولي، والمادة471 نصّت على العقوبة بالحبس من 3 أشهر لسنتين والغرامة 100-200 ألف لكل من تزوّج مع علمه ببطلان زواجه بسبب زواج سابق أو لأي سبب بطلان.

وسيلة لم شمل
كثيرون يلجؤون للزواج العرفي، إما كمرحلة تعارف برضا الأهل كما سبق وذكرنا، أو لأسباب ثقافية، فهو منتشر في الأرياف وبين القبائل أكثر منه في المدن، حيث تعتبر بعض الفئات أن مجرد وجود شيخ كاف لتثبيت الزواج، أيضاً أسباب اقتصادية قد تدفع الشباب للزواج العرفي هرباً من التكاليف، يضاف إلى ذلك الأزمة التي أنتجت أسباباً واقعية تتعلق بالمناطق الساخنة وصعوبة الوصول إلى المحاكم، أو لجوء الشباب المتطوعين للزواج العرفي لصعوبة وتأخير الحصول على رخصة شعبة التجنيد. ويضاف إلى ما سبق حالة جديدة أفرزتها الهجرة، حيث أصبح الزواج العرفي وسيلة للمّ الشمل، إذ يوكل المغترب –خاصة إذا كان في دولة لا يوجد فيها سفارة سورية وغير قادر على إنشاء وكالة رسمية- يوكل والده أو أحد أفراد عائلته شفهياً ليزوجه أيضاً بعقد شفهي “عرفي” بالاتفاق مع ولي الفتاة، لتتجه بعدها الفتاة للمحكمة وترفع دعوى تثبيت زواج، ليتمكّن الشاب من إتمام معاملة لمّ الشمل بعدها.

النسبة الأعلى
وتشكّل دعاوى تثبيت الزواج النسبة الأكبر في المحاكم الشرعية، حيث أشار القاضي الخجا إلى تسجيل ما يقارب 500 دعوى شهرياً في دمشق فقط، فضلاً عن المعاملات الإدارية لتثبيت الزواج التي تتم دون تبليغات أو محكمة، أي عند اتفاق الزوجين على تثبيت الزواج، وهي أيضاً بنسبة عالية جداً.

محاذير
وشدّد الخجا على محاذير كثيرة للزواج العرفي، كخطر فقدان الزوج أو وفاته المفاجئة، أو غياب بيانات الزوج، ففي الكثير من الحالات التي ترد لا تعرف المرأة سوى الاسم الثنائي له، أو عدم سلامة العقد، وعدم القدرة على إثبات الشروط الخاصة التي لا تثبت بالتسامع، فضلاً عن إشكالات تحصل وتتحوّل إلى “مكايدة”، فيصرّ الزوج وأهله والشهود على إنكار الزواج بشكل قاطع، ليمنع الزوجة من أي زواج آخر، ويزيد تعقيد الأمر وجود أطفال في حالات كثيرة ليصبحوا مكتومي القيد إن لم تتمكن الأم من تثبيت زواجها.

الشهادة تكفي
دعاوى وإجراءات تثبيت الزواج العرفي وصفها الخجا بالبسيطة والمرنة لأبعد الحدود، فالمشرّع بقانون أصول المحاكمات والأحوال الشخصية سهّل طرق التقاضي أمام المحكمة الشرعية صيانةً لحقوق الأسرة بشكل عام والمرأة بشكل خاص، حيث يمكن للمرأة أو الرجل رفع دعوى تثبيت زواج، وقد تعتمد المحكمة مبدأ الشهادة فقط بسبب طبيعة الأسرة، فيمكن للمرأة مثلاً إحضار الشهود على العقد لتثبيت الزواج، أو حتى الاعتماد على شهادة الجوار أو شهادة أهل الحيّ، على عكس بقية المحاكم التي لا تعتمد إلا مبدأ الكتابة والتوثيق، كما أن المحاكم الشرعية مستثناة من توكيل محامٍ، وهي ذات الانتشار الأوسع في الجغرافية السورية ويمكن للزوجة رفع الدعوى في موطنها أو موطن المدّعى عليه خلافاً لبقية الدعاوى المدنية .
وفي حال وفاة الزوج أو فقدانه أفسح المشرّع المجال للمرأة بأن ترفع الدعوى على ورثة زوجها، أما العقود العرفية التي تراكمت في المناطق التي كانت محاصرة فقد تمّ تثبيتها –وفق الخجا- رغم فقدان الوثائق الثبوتية للزوجين، وفي حال وجود أطفال اكتفت المحكمة بشهادة ميلاد من المختار لتثبيت نسب الطفل.
كما يتمّ تثبيت الزواج المعقود خارج المحكمة دون دعاوى في حال اتفاق الطرفين عند استيفاء كافة البيانات، كقيود الزوجين، وهل هما أهل للزواج لناحية السن، والخلو من موانع الزواج كأن تكون المرأة متزوجة أو معتدة، وحصول الشاب على رخصة زواج من وحدته العسكرية إذا كان متطوعاً، وموافقة وزارة الداخلية إذا كان أحد الزوجين أجنبياً.