الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

العماء المزري..!

حسن حميد

بلى، أقولها بفم أشبه بالتنور المسجور.. هذا الشعب الفلسطيني عصيٌّ على الفناء، بالرغم من أن المحتل الإسرائيلي حوّل البلاد، قرىً ومدناً، وطرقات وحقولاً، وسجوناً ومدارس، ومساجد وكنائس إلى غاب تُسفك فيه الدماء البريئة الطاهرة، وإلى نيران ومخاوف راحت تلتهم كلّ شيء، كي يتعلّم أهل فلسطين ثقافة الخرس، والانحناء، والإماتة، والرضا بأن العين لا تقاوم المخرز، في ظلّ عماء الغرب الذي يحكم العالم والمتشدّق بالحديث عن حقوق الإنسان والشعوب، والحفاظ على السيادة، والديموقراطية، والسلام، والعدالة، هذا العماء المزري والمستهجن والعنصري الذي ليس هو صفة من صفات البشر، ولا هو صفة من صفات حيونة الغاب، لأنه عماء معدود ومكتوب ومرسوم، وغايته إبادة شعب فلسطين في ظلّ ظروف دولية باهتة، خائرة، منحنية أمام سطوة أهل المصالح والنفوذ الذين يتحكّمون بمصير الكرة الأرضية كلّها!.

ها هو الغرب بجامعاته، وآدابه، وفنونه، وكتب حقوقه، ومنابره، وتاريخه، وفلسفاته.. يتفرج على سفك الدماء الفلسطينية يومياً بوجوه شمعية، وعيون فقدت الإبصار، وبحواس غادرت مربع (المشاعر الإنسانية)، وعقول أقرّت بمرضها، وسلوكيات اعترفت بعللها، فلا يحرك ساكناً، ولا يلتفت، ولا ينبر بكلمة، ولا يلوح بيده، لكأنه تحوّل إلى (ربورت) غربي تديره المصالح الإسرائيلية والغايات العنصرية التي ترى، ومنذ سبعين سنة وأزيد، أن الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت!.

كيف يحدث هذا، وفي الغرب بيكاسو، وغوته، وديكنز، وهيغو، وغاريبالدي، وفولتير، وبتهوفن، ومايكل أنجلو، وأوغسطين، وساحات الحرية والرأي، وكيف يحدث هذا، وفي الغرب منظمات حقوق الإنسان، والهيئات الدولية، وقاعات الاجتماعات الكبرى، والمؤتمرات الفخمة التي راحت تصرخ من أيام الثورة الفرنسية (1789): الإنسان، الإنسان!. كيف هذا العماء الجهول المطبق تجاه ما يحدث في فلسطين من مذابح ومجازر منذ عام 1948 وحتى هذه الساعة، كيف يحدث هذا العماء، والسكوت المريب.. والغرب يعرف أن بيوت الفلسطينيين تشغر من أبنائها، بعدما غادرها الأجداد والآباء إلى السجون والمعتقلات والمقابر؟! كيف لهذا الغرب الذي أقام كيانية الاحتلال الإسرائيلي فوق الأرض الفلسطينية، لا يرى ما تقترفه الأسلحة الفتّاكة التي أوصلها إلى أيدي الإسرائيليين.. من قتل، وخوف، وفقد، وترويع للفلسطينيين في بيوتهم، ومدارسهم، وشوارعهم، وأمكنة عبادتهم، وحقولهم، ومصانعهم! كيف لهذا الغرب أن يتجاهل هذه الهمجية الإسرائيلية وبطشها وترويعها للبيوت والمدارس، ودور العبادة وقتل الشبان بدم بارد، أو اقتيادهم إلى السجون، والمعتقلات، في الليل والنهار، لأنهم يهتفون هتافهم الأبدي: موطني، موطني؟!.

بلى، ما يقترفه الإسرائيلي في البلاد الفلسطينية العزيزة، من قتل، واعتقال، وسحق للكرامات، وإماتة للأرواح، ودوس للكبرياء الوطنية لن يحقّق له ما يصبو إليه من سيطرة على الأرض، أو تركيع للفلسطينيين، أو نسيان للجغرافية والتاريخ وما فيهما من عمران، أو تحييد للكتب الغرر التي مجّدت  فلسطين، أو إقصاء للعادات والتقاليد والأعراف والتصورات الحاضرة للمباهاة والاعتزاز، لأن الكرامة الفلسطينية متوارثة بالجينات، ولأن الشبان الذين يواجهون الإسرائيلي اليوم، وأعمارهم لا تزيد عن عقدين أو ثلاثة من السنين تعمّرت نفوسهم بما رأوا، وبما عاشوا، وبما عرفوا، وبما اقتنعوا به، وبما شالت به ذواكرهم، فهم، وكيفما تلفتوا، أبصروا الأجداد والآباء الشهداء، وأبصروا المصير الذي آل إليه الإخوة في المعتقلات والسجون، لا بل إنهم أبصروا قبور بعض شهدائهم في حواكير البيوت.

على الإسرائيلي الذي أوغل في دم الفلسطينيين، منذ سبعين سنة وأزيد، أن يفهم، بأن مواجهته، وهو السارق للأرض والغاصب لها، باتت كتاباً منقوشاً طيّ الصدور، وأن لا حياة بهيجة تليق بالفلسطيني الذي عمّر الأرض، وأنسن الغابات والأنهار والبحيرات والجبال والأودية، إلا بعودة الوطن شارقاً مثل نهار طالت عليه عتمة الليل البهيم.

Hasanhamid55@yahoo.com