تعاون مؤسسات الدولة كفيل بالحد من الإرهاب كفكر

الاستراتيجية الوطنية الجزائرية لمكافحة الإرهاب بين عامي 2010-2020

البعث السبوعية- د. ساعود جمال ساعود

استندت الدولة الجزائرية في استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب على تعاون مؤسسات الدولة سواءً الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية مع بعضها البعض تحت إشراف ودعم حكومي من خلال إسناد مجموعة من الوظائف للمؤسسات الحكومية المختلفة، بحيث تعمل كل مؤسسة على تنفيذها بالتنسيق مع المؤسسات الأخرى كسلوك من جهة، والقضاء على التهديدات المحتملة بتدارك مسبباتها ومعالجتها قبل تحوّلها إلى سلوك يهدد أمن واستقرار الدولة الجزائرية من جهة أخرى عبر مجموعةٍ من السياسات الخاصة بكل نسقٍ من أنساق المجتمع الجزائري، وفيما يلي توضيح لكل سياسة على حده حسب المجال المعنية به وفق ما يلي شرحه:

  • السياسات الأمنية والعسكرية:

سعت الجزائر عبر السياسات الأمنية لمكافحة الإرهاب إلى تحقيق هدفين محوريين تمثّلا بتعزيز القدرات الأمنية، بما تتضمنه من أنظمة إنذار مبكرة من جهة، وتجفيف منابع دعم وتمويل الإرهاب من جهة أخرى، وهو ما سعت الدولة لتنفيذه عبر عدد من الإجراءات نوردها كالتالي:

  • رفع ميزانية الأمن والدفاع لاستكمال سياسية تعزيز القدرات العسكرية واللوجيستية للجيش الجزائري.
  • زيادة القوة البشرية لأجهزة الأمن والجيش.
  • رفع كفاءة عناصر الشرطة والجيش العاملين في مجال مكافحة الإرهاب، عبر تنفيذ عدد من البرامج التدريبية الوطنية والمشتركة، فضلاً عن تحديث منظومة التسليح المستخدمة في المجال ذاته.
  • تحديث أجهزة التصنت والمراقبة والتي عززت من قدرة أجهزة الأمن الجزائرية في متابعة كافة التنظيمات الإرهابية والأشخاص المشتبه في تبنيهم أفكاراً متطرفة.
  • إنشاء قاعدة بيانات محدثة خاصة بالإرهابيين الأجانب وذلك بالتعاون مع أجهزة استخبارات الدول الصديقة.
  • تكثيف الجهود للحيلولة دون انتقال العناصر الإرهابية من أو إلى الجزائر، سواءً عبر إعادة ضبط الحدود، أو بتشديد الإجراءات الأمنية بالمطارات والموانئ.
  • أقرت الجزائر سياسة الامتناع عن دفع الفدية لتحرير الرهائن الذين يتم اختطافهم من قبل العناصر الإرهابية، بغرض حرمانهم من أحد مصادر التمويل.
  • الانتقال بالجيش الجزائري إلى الاحترافية وتحديث المعدات الحربية.
  • مكافحة الإرهاب والتطرف في الواقع الافتراضي على الشبكة العنكبوتية التي تستغلها الجماعات الإرهابية المتطرفة للتجنيد في صفوفها بالموازاة مع رفع مستوى الحرب المعلوماتية عبر الإنترنت، في مواجهة الجريمة الإلكترونية، ما سمح بإفشال العديد من المخططات والهجمات الإرهابية.
  • السياسة الدينية:

حاولت السياسات الجزائرية لمكافحة الإرهاب تطبيق جملة من الإجراءات الدينية ابتغاء معالجة الانحرافات المنبثقة من البنية الدينية للمجتمع الجزائري، والتي شكّلت بيئة مناسبة لنمو الإرهاب نتيجة الفهم الخاطئ للدين ولمبادئه وأحكامه، والوقوف على ظواهر النصوص دون تدبّرها، وتحوير القيم والمثل العليا، والبحث في البيئة الفكرية والاجتماعية لاستبدالها بما يرضي غرائزهم وعدم مقدرتهم على ضبط أنفسهم وفق الحدود الشرعية وغيرها من الانحرافات يصعب إحصائها، ولهذا كله فقد توجّهت إلى الإجراءات الأتية:

  • وضع خطط لتجديد الخطاب الديني بمعنى تحرير الدين من الاتهامات التي عُلقت به نتيجة استغلال الجماعات الإرهابية للدين كستار لتنفيذ أهدافها.
  • العمل عبر المؤسسات الدينية المسؤولة على تصحيح المفاهيم والأفكار المغلوطة والتي يسعى مروّجوها الى تقديم الإسلام على أنّه دين التطرف، والكراهية، والإرهاب .
  • تركيز الخطاب الديني على نبذ المغالاة والتطرّف والعنف، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بعدّة شواهد منها التعاون بين وزارات الداخلية والاتصال والتعليم والشؤون الدينية والتي قضت بإطلاق مواقع إلكترونية على شبكة الإنترنت متخصّصة لمكافحة الفتاوى الارهابية من قبل المتطرفين.
  • قيام المؤسسات الدينية الجزائرية ممثّلة بوزارة الأوقاف ببيان الحكم الشرعي للجرائم الإرهابية، وبيان الحكم الشرعي لمن يؤوي إرهابياً أو يتستّر عليه، وبيان للأدلّة التي يروّجها “مفكرو” التنظيمات المتطرّفة.
  • تعزيز دور القادّة الدينيون في صياغة خطابات بديلة لخطاب الكراهية في منع التحريض الذي من شأنه أن يؤدّي إلى الجرائم الإرهابية، والتصدّي للتوتّرات الدينية من خلال تأطير جمهورهم ومجتمعاتهم بقيم التسامح والسلام، وتعزيز الحوار بين الثقافات.
  • إلتزام مختلف المؤسسات الدينية الجزائرية بمواجهة الخطابات التي تروج للعنف باسم الدين، وتستخدمه لتحقيق مكاسب سياسية بهدف الهيمنة على الآخرين وتجريدهم من حقوقهم، وإشاعة القتل وتبريره.
  • السياسة الإعلامية:

في سبيل تفعيل دور الإعلام ومؤسسات الاتصال المباشر في مواجهة الإرهاب من خلال تحديد الأدوار المنوطة بكل منها في إطار سياسة إعلامية واتصالية شاملة، فقد انطلقت دوائر صنع القرار في الدولة الجزائرية إلى تطبيق الإجراءات الأتية:

  • أفردت وسائل الإعلام مساحات واسعة لتحليلات الخبراء وعلماء الدين لتفسير دوافع سلوك التطرّف والإرهاب من منظور ديني، علاوة على تقديم تغطية إعلامية واسعة لعمليات القوات المسلّحة والشرطة في مواجهة الإرهاب.
  • التركيز على الإسهام في تكوين النسق المعرفي للمواطن إزاء الإرهاب والإرهابيين، وتوجيه الخطاب الإعلامي إلى الشباب في مكافحة ظاهرة الإرهاب وسبل حمايته إعلامياً من هذه الآفة.
  • تفعيل دور قادة الفكر والرأي والأحزاب السياسية في حشد وتعبئة المجتمع ضد التطرف والإرهاب.
  • حظر نشر الصور أو المقاطع الفلمية للأعمال الإرهابية، سواءً في وسائل الإعلام الرسمية أو عبر شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).
  • تكوين منظومة سلوكية تمكن المواطن من ترجمة معرفته بحقيقة الإرهاب و الإرهابيين، وترسيخ ثقافة مضادة للإرهاب، وتركيز الخطاب الإعلامي في كل وسائل الإعلام الجزائرية على ضرورة المواجهة الشاملة للإرهاب.
  • السياسات الاقتصادية والاجتماعية:

في محاولة لاستيعاب البعدين الاقتصادي والاجتماعي في مجال مكافحة الإرهاب، فقد حرصت الجزائر على اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي من شأنها تحقيق ما يلي:

  • القضاء على الدوافع الاقتصادية والاجتماعية للظاهرة الإرهابية.
  • الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتها، الذي ساهم بالحد من الأثار المترتبة عن غسيل الأموال أو تبييضها، والمتمثّلة بالمساعدة على انتشار الإرهاب.
  • سماح الدولة الجزائرية للمؤسسات الخيرية بتقديم المساعدات المادية والخدمات العينية للمواطنين في الأماكن الأكثر احتياجاً.
  • تطبيق مشاريع تنمويّة مستدامة تغلق كلّ المنافذ أمام هذه الحركات الشاذّة والمغامرة بالعمل على تحقيق عدّة أهداف منها مثلاً مواصلة جهد مكافحة البطالة وتشجيع التنمية الفلاحية والريفية، وترقية الاقتصاد الوطني وحمايته من خلال إنتاج معايير تقنية ونوعية لقواعد الدفاعات التجارية، وترقية ودعم الأنشطة الاقتصادية القائمة على المعرفة ذات القيمة التكنولوجية، ودعم المؤسسات الصغيرة التي يبادر بها الشباب من حاملي الشهادات، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على مكافحة أسباب الإرهاب.
  • تشجيع الاستثمار في الجزائر وإنعاشه، وتنويع اقتصادها، واعتماد نموذج اقتصادي جديد لمواجهة انهيار أسعار البترول الذي يعد أهم مصدر لعائدات الجزائر.
  • السياسة التربوية:

اعتمدت السياسة التربوية في الجزائر في مجال مقاومة الإرهاب على القيام بعدة إجراءات من شأنها أن تؤدّي إلى إعداد الفرد للقيام بدوره الإيجابي المتوقع في المجتمع الجزائري، ومن هذه الإجراءات:

  • قيام المؤسسات التربوية بوظائفها في دفع الفرد للتعلّم الذاتي الصحيح ونبذ العنف والتطرّف كأساليب لحل ما قد يواجه من مشكلات.
  • قيام المؤسسات التربوية في المجال النفسي والانفعالي بتحقيق النضج الانفعالي السليم للفرد بعد حدوث الأعمال الإرهابية التي تتسم باستخدام العنف أو التهديد به، والتي تتضمن العنف والترويع في أوساط المجتمع.
  • التأكيد على غرس الانتماء للوطن كوظيفة رئيسة من وظائف النسق التربوي.
  • في المجال الأخلاقي إعداد برامج تربوية لاجتثاث التطرف الديني من عقول المدانين في قضايا إرهاب والوقاية منه بهدف تقويم و معالجة المفاهيم الدينية الخاطئة التي جرتهم إلى الوقوع في خطيئة التشدد.
  • القيام في المجال الاجتماعي بربط العمليات الإرهابية بالعادات والتقاليد والقيم التي تشجب تلك السلوكيات المنحرفة، وإكساب الفرد المهارات والاتجاهات والمعارف التي يقاوم من خلالها الفرد الجرائم الإرهابية، ومحاولة قيام تعليم الفرد بالتأثير في الآخرين والمساهمة في خدمة المجتمع مساهمةً فعالةً، وترسيخ مبادئ الحوار والنقاش والتفاوض وتعميق أدب الاختلاف وثقافته.
  • التركيز على دور المدراس التي تضطلع بالدور الأكبر في غرس القيم التربوية من خلال المناهج والمعارف العلمية التي تقدّم للطلاب وفق طرق علمية مخططة وبأساليب مباشرة أو غير مباشرة عبر وضع مناهج دقيقة منطقية تنطلق من قيم انسانية.
  • التأكيد على المواجهة الفكرية عبر الدور المحوري للأسرة الجزائرية في مجال مقاومة الجرائم الإرهابية.
  • السياسة الثقافية لمكافحة الإرهاب:

اعتمدت السياسة الثقافية في الجزائر بوصفها أحد أركان استراتيجية مكافحة الإرهاب على تطبيق مجموعة من الإجراءات التي تخدم مكافحة الإرهاب من الناحية الثقافية، ومن أهم تلك الإجراءات ما يلي:

  • التأكيد على الاهتمام بالموروث الثقافي للمجتمع الجزائري، وبخاصة الذي يدعّم فكرة الانتماء والوحدة الوطنية، والعمل على بناء مفاهيم ثقافية جديدة تدعـو إلى السلام والتسامح ونبـذ العنف والإرهاب.
  • توظيف مجالات الفنون والثقافة المختلفة في المجتمع الجزائري، وتكريس جهودها لمكافحة الفكر المتطرّف، والتأكيد على دورها كقـوى ناعمة في إدارة التوجّه الثقافي، مما يشكّل درعاً فنياً و ثقافياً في مكافحة التطرف.
  • التوسّع في المسابقات والجوائز لتشجيع الإبداع الفني والثقافي لدى الشباب في مواجهة الفكر المتطرف، والتأكيد على اتّساق الخطط الاستراتيجية لوزارتي التعليم العالي والتربية والتعليم الفنّي مع أهداف الدولة القومية لمكافحة الإرهاب، ومحاربة الفراغ الفكري من منطلق أنّ الفراغ ينشأ من الأفكار الغريبة على المجتمع الجزائري التي لا ترتبط بثقافته وخصوصيته وهويته، وتسعى للقضاء على القيم الأصيلة التي نشئ عليه.

وتقييماً لما سلف عرضه من سياسات مكافحة الإرهاب، فإنّ الباحث يرى بأنّ  إيجابيات هذه السياسات تمثّل معياراً مناسباً لتقييم مضمونها، ففيما يتعلّق بالإيجابيات التي تتميز بها سياسات مكافحة الإرهاب الجزائرية، فإنّه بالإمكان إيراد أن المزاوجة بين احتواء الإرهاب كأسلوب من جهة، وبين القضاء على التهديدات المحتملة من جهة أخرى، وذلك بمعالجة أسبابها، فيحصل بذلك مكافحة للإرهاب فكراً وسلوكاً. بالإضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار التطوّرات التي طرأت على الظاهرة الإرهابية كظهور أشكال جديدة، واستخدام الإرهابيين أدوات في غاية الحداثة والتعقيد كالإرهاب الإلكتروني مثلاً. وعليه فقد اتّسمت سياسات مكافحة الإرهاب الجزائرية بالشمولية، حيث انطلقت دوائر صنع القرار السياسي في الجزائر في التنسيق بين أنساق المجتمع الجزائري كافّة ممثّلة بالوزارات والمؤسسات التي تدير شؤونها، وبالتالي تميّزت سياسات مكافحة الإرهاب الجزائرية بالرسمية لكونها جزء لا يتجزأ من السياسات العامة الجزائرية، كما تميزت هذه السياسات بالدعم الحكومي عبر تخصيص نصيب من الموازنة العامة للدولة الجزائرية لتنفيذ ما تضمنته من إجراءات في سبيل مكافحة الإرهاب.

إنّ ما سلف كان من جملة الإيجابيات التي تمتعت بها سياسات مكافحة الإرهاب الجزائرية، وأمّا بالنسبة للسلبيات التي أعترت السياسات الجزائرية لمكافحة الإرهاب فيمكن إيجازها بأن نصيب الوزارات الموكّلة بتنفيذ ما ورد في سياسات مكافحة الإرهاب من الموازنة العامة للدولة الجزائرية غير ثابت ويتفاوت من سنة لأخرى، ويخضع للتقلّبات التي تشهدها الموازنة العامة الجزائرية، تبعاً لما تشهده الدولة الجزائرية من متغيّرات داخلية وخارجية، مما قد يؤّثر على كفاءة أداء الوزارات المكلفة بمهام التنفيذ.  ومن الانتقادات التي يسجّلها الباحثين لسياسات مكافحة الإرهاب الجزائرية ما دار حول مسألة التطبيق من حيث عدم التقيد بما ورد فيها من تدابير وإجراءات، ولكن لدى التدقيق بهذا الانتقاد كسلبية ونقطة ضعف، يلاحظ أنّه غير دقيق لأنّ الدولة الجزائرية اعتمدت مبدأ المحاسبة، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بوقائع مختلفة لعل أبرزها إقالة بعض قيادات دائرة الاستعلام والأمن.

صحيح أن الدولة الجزائرية كانت قد درجت على تطبيق سياسات مكافحة الإرهاب وما تزال، ورغم ذلك لغاية الوقت الراهن لم تصدر رسمياً وثيقة معلنة على شكل استراتيجية رسمية عن طريق البرلمان الجزائري أو الحكومة الجزائرية على غرار الدول العربية الأخرى كالأردن ومصر والعراق، وهذه النقطة بالتحديد يشدّد عليها الباحث ويعتبرها نقطة ضعف، لأن سياسات مكافحة الإرهاب تندرج ضمن سياق استراتيجية مخصصة لهذا الغرض، ولا يجب أن تكون مجموعة قرارات أو سياسات أو إجراءات متباعدة زمنياً. كما أن السياسات التي وضعت بقصد مكافحة الإرهاب الفكري، ومنها السياسات التربوية والثقافية والإعلامية والدينية صحيحة وشاملة وكفيلة بالحد من الإرهاب كفكر، ولكن المشكلة تكمن بأنها تحتاج إلى وقت طويل حتى تحدث أثراً  فاعلاً في بنية المجتمع الجزائري، والسبب الرئيسي أنّ الإرهاب كفكر وجد في الجزائر منذ سبعينات القرن العشرين، علاوة على انتشاره بكافة المناطق الجزائرية، وبين أوساط الشرائح الاجتماعية كافّة.

وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول بأنّ نتيجة اعتماد السلبيات والايجابيات كمعيار لتقييم مضمون سياسات مكافحة الإرهاب في الجزائر، يشير إلى تفوّق حجم الإيجابيات على السلبيات التي اتسمت بها سياسات مكافحة الإرهاب في الجزائر، وهذا الأمر له دلالاته التي توحي بأنّ هذه السياسات جديرة بالاعتماد على الصعيد المحلي الجزائري، وجديرة بالاستمرار والعمل على تطبيقها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى