مجلة البعث الأسبوعية

مناطق سورية وتركية معروفة تاريخياً بوقوع الزلازل القوية.. وأعنفها كان في حلب

“البعث الأسبوعية” ــ لينا عدرا

ليس الزلزال الذي ضرب سورية وتركيا، الإثنين الماضي، الأول من نوعه في تاريخ البلدين، إذ تعرف المنطقة بوقوع زلازل قوية، منها ما تسبب في وقوع آلاف القتلى والخسائر المادية الكبيرة. ومنذ القرن الثاني عشر للميلاد، شهدت كل من تركيا وسورية أكثر من 20 زلزالاً مدمراً، تجاوزت قوة كل منها 7.0 درجات، وفق تقديرات علماء الجيولوجيا، بالنظر إلى ما أحدثته من دمار، كما تتعرضان شبه يوميا لزلازل متكررة وهزات أرضية خفيفة بسبب خضوع صفيحة الأناضول إلى تكتونيات تؤثر على الصفيحة العربية التي تتجه شمالاً، مع حالة شبه ثبات لصفيحة أوراسيا في الشمال.

ومن بين أقوى الزلازل التي ضربت سورية وخلَّفت وراءها خسائر كبيرة، سواء من الناحية البشرية أو حتى المادية، هناك زلزال دمشق متعدد الضربات، في 24 تشرين الأول 847، إذ امتد من مدينة دمشق في سورية إلى مدينة أنطاكيا التركية شمالاً وإلى الموصل شرق سورية.

وتجاوز عدد الضحايا الناجم عن هذا الزلزال 20 ألف شخص في مدينة أنطاكيا و50 ألفاً في الموصل، فيما يعتقد العلماء أنه من بين أقوى الزلازل التي ضربت صدع البحر الميت في التاريخ.

وفي 11 تشرين الأول سنة 1138، شهدت مدينة حلب أحد أقوى الزلازل في تاريخ الكرة الأرضية، وتسبب الزلزال في مقتل أكثر من 230 ألف شخص، فيما بلغت قوته 8.5 درجة على مقياس ريختر.

وفي سنة 1157، وبالقرب من مدينة حماة، حدث أحد أكثر الزلازل المدمرة في تاريخ المنطقة، إذ قدر عدد الضحايا بعشرات الآلاف. وقد أصاب كونتية طرابلس التي كانت تحت الحكم الصليبي في زمن الكونت ريموند الثالث، وهلك أكثر أهلها، وهُدمت كثير من أبنيتها.

أما تركيا، فقد شهدت مدينة إسطنبول، ففي 10 أيلول سنة 1509، دماراً كبيراً بسبب زلزال قدرت قوته بـ 7.2 درجة ضرب بحر مرمرة، وسمي بزلزال بيوم القيامة الصغرى لعدم وجود أرقام محددة لما خلفه من القتلى.

كما سجلت ولاية أدرنة في كل من 26 تشرين الأول 1509، و16 تشرين الثاني 1509، وآذار 1510، عدداً من الهزات الأرضية تبعتها مدينة إسطنبول في 10 تموز 1510، وأدرنة 26 أيار 1511 ثم إسطنبول بداية 1512.

كما ضرب إسطنبول في 24 أيار 1719 زلزال بلغت قوته 7.1 درجة على مقياس ريختر، وصلت قوته إلى مدينة إزميت جنوباً، وتسبب في تدمير أجزاء من سور المدينة القديمة، إضافة إلى مساجد وحمامات.

في 22 أيار 1766 تسببت ثلاث هزات ارتدادية في دمار أجزاء من جامع الفاتح الكبير، بالإضافة إلى كل من قصر توب قابي وقصر توب خانة زيادة على السوق المسقوف وأجزاء من سور المدينة وثكنات الانكشارية.

في 10 تموز 1894، ضرب زلزال بقوة 7 درجات، حوض بحر مرمرة وكلاً من يالوفا وكوجا إلي، ما تسبب في موجات مد عالية “تسونامي” انسحبت فيها مياه البحر مسافة 200 متر، تبعها موجات ضربت موانئ المدينة؛ ما تسبب في تحطيم عدد كبير من السفن. وسمي هذا الزلزال “حركة الأرض الكبرى”؛ إذ تسببب بدمار الأبنية في المدينة القديمة في إسطنبول، خاصة في مدينة أمينونو والفاتح.

وكان أول زلزال يضرب تركيا، سنة 1999، في ولاية كوجايلي شمال غرب البلاد، إذ بلغت شدته 7.4 درجة، واستمر لقرابة الدقيقة ليسجل أطول الزلازل مدة في تاريخ الجمهورية التركية، وقد لقي أكثر من 17 ألف شخص مصرعهم وأصيب 25 ألف آخرون بجروح متفاوتة الخطورة.

 

مناطق معرضة للزلازل أكثر من غيرها

ويتركز خط الزلازل في ثلاث مناطق رئيسية على سطح الأرض، وهي حزام زلازل المحيط الهادي، وحزام زلازل الألب، وحزام زلازل المحيط الأطلسي. وهناك مناطق في العالم مهددة بالهزات الأرضية والزلازل أكثر من غيرها، وتتمثل هذه الدول بكل من تركيا، والهند، وكازاخستان، ودول أوروبا الموجودة على البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط، من بينها سورية، ولبنان، وشمال إفريقيا، من بينها مصر.

ويمثل خط الزلازل هذا ما يقارب 17% من الزلازل التي تحدث في العالم، ومن أشهرها كان زلزال باكستان الذي وقع سنة 2005، وراح ضحيته ما يزيد عن 80 ألف شخص.

وقد يكون السبب في وقوع الزلازل في أماكن محددة دون غيرها أنها تقع في حواف الصفائح التكتونية، وتسمى هذه المناطق ببقع الزلازل الساخنة. أما ما يجعل الزلازل مدمرة فهو وجود تحركات جد عنيفة وقوية في الصفائح التكتونية عند النقطة التي تسمى بالبؤرة. وتتسبب هذه القوة في هزات أرضية تؤدي إلى ارتعاش المباني وتحركها، أو إلى زلزال يسبب انهيار المباني وقطع إمدادات الكهرباء والماء.

وفي حال كان التقاء الصفائح في قاع البحر فإن هذا الأمر قد يؤدي إلى التسونامي، أو موجات المد والجزر الكبيرة. وفي بعض الحالات، تكون الآثار الجانبية التي تنجم عن الزلازل هي السبب في الكوارث، من بينها وقوع الحرائق، أو الفيضانات.

 

كيف تكون حركة الصفائح التكتونية؟

عند الحديث عن الزلازل يجب أولاً معرفة حركة الصفائح التكتونية، والتي يمكن وصفها على شكل قشرة متشققة توجد تحت الأرض، تتحرك بفعل الحرارة الموجودة في باطن الأرض، الأمر الذي يؤدي إلى انزلاق الصفائح التكتونية فوق سطح الأرض بسبب التيارات شبه المنصهرة تحت القشرة.

وتتحرك الصفائح باتجاه بعضها، أو تبتعد عن بعضها، أو بعضها يتخطى الآخر، وفي هذه الحالات يحدث الزلزال، إذ يمكن أن يكون بسيطاً، وبالكاد يتم الشعور به، أو أن يكون مدمراً ويسبب خسائر مادية وبشرية كبيرة.

ويتم تحديد قوة الزلازل حسب القوة التي تحركت بها الصفائح التكتونية، وتعرف النقطة التي تحدث فيها هذه الحركة بالبؤرة الزلزالية.

 

أنواع تحركات الصفائح التكتونية

عندما تتحرك الصفائح التكتونية معاً، كيفما كان نوع حركتها، فهذا يعني أن هناك قوتين تعملان ضد بعضهما، ومن هناك يتراكم الضغط حتى يتغلب أحدهما على الآخر في النهاية، وهنا يحدث الزلزال.

وفي بعض الحالات الأخرى، تتسبب التيارات شبه المنصهرة تحت قشرة الأرض في انزلاق الصفائح التكتونية بعضها فوق بعض، وهنا يمكن أن تلتصق فيما بينها، بفعل تراكم قوة الصفائح التي تتغلب إحداها عن الأخرى، لعدم وجود حواف لهذه الصفائح، وهنا يحدث مرة أخرى الزلزال، ويعرف هذا النوع بحدود لوحة التحويل.

وهذه الحركات تؤثر على جزيئات الصخور، التي ترسل تذبذبات إلى قشرة الأرض، وتؤدي في الأخير إلى وقوع الزلزال، الذي يتم استشعاره في محطات البحث الجيوفيزيقية في كل أنحاء العالم عبر الموجات الأولية والثانوية.

ويتناسب تزايد الكوارث الطبيعية حول العالم مع السرعة الحاصلة في تحركات الصفائح، وتعد أحد الأسباب الرئيسية في تزايد عدد الزلازل. كما تزيد الكوارث التي تحدث بسبب الفعل الإنساني، إضافة إلى الكوارث الطبيعية، من احتمالية حدوث وضع غير طبيعي في العالم بشكل عام.

 

12 صفيحة تكتونية عملاقة

ويبلغ عدد الصفائح التكتونية العملاقة 12 لوحاً تقريباً، ولأنها في حركة دائمة فإنها تمزق الغلاف الصخري الذي يغلف باطن الكرة الأرضية. وتطفو تلك الألواح أو الصفائح التكتونية فرق طبقة سائلة منصهرة عالية اللزوجة وعالية الحرارة، ويؤدي دوران الأرض حول محورها أمام الشمس إلى انزلاق تلك الألواح فوق الطبقة المنصهرة؛ ما يؤدي أحياناً إلى تباعد تلك الألواح، واندفاع تلك الحمم الملتهبة نحو السطح بسرعات هائلة، وهو ما يتسبب في حدوث البراكين.

لكن عندما يحدث العكس، أي أن تلك الحمم الملتهبة تندفع إلى أسفل نحو باطن الأرض، يؤدي ذلك إلى تصادم بعض تلك الصفائح التكتونية بعضها ببعض، فتحدث الزلازل بشكل طبيعي.

 

متى نشعر بوقوع زلزال؟

وبما أن باطن الكرة الأرضية عبارة عن طبقة من الحمم المنصهرة في حالة حركة دائمة، فإن وقوع الزلازل أمر شبه مستمر ولا يتوقف، فكيف لا يشعر بها البشر طوال الوقت؟ ولماذا تختلف دورية وقوع الزلازل من منطقة لأخرى حول العالم؟

الأمر كله يتعلق بمدى قوة الزلازل التي تنتج عن تلك الحركة، فإذا كان الزلزال أقل من 3 درجات على مقياس ريختر، وهذه النوعية تمثل النسبة الأعظم من الزلازل الناتجة عن الحركة الطبيعية في باطن الأرض، لا يشعر بها البشر.

 

هل يمكن أن نتنبأ بالزلزال قبل حدوثه؟

كلا، وهذا هو الرأي العلمي القاطع، بحسب موقع هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، التي تضع 3 شروط كي يكون التنبؤ بالزلزال قائماً بالفعل. وأول هذه الشروط تحديد يوم وتوقيت حدوث الزلزال بدقة، والثاني تحديد مكان حدوث الزلزال بدقة، أما الثالث فهو تحديد قوة الزلزال أيضاً بدقة.

وبالتالي فإنه، وعلى الرغم من التطور العلمي الكبير والتقدم التكنولوجي الذي حققته البشرية حتى الآن، لا تزال قدرة الإنسان على التنبؤ الدقيق بوقوع الزلزال قبل أن يحدث فعلياً محدودة إلى حد كبير، وإن كانت هناك بعض الأدوات والمؤشرات التي يسعى البعض من خلالها إلى محاولة توقع حدوث الزلزال قبل أن يحدث، ولو بفترة زمنية قصيرة.

 

لماذا لا يمكن التنبؤ بالزلازل؟

وقد أظهرت الأبحاث أن الزلازل الصغيرة والكبيرة منها تتبع نمطاً معيناً، إذ تبدأ باهتزازت أولية تزداد شدتها إلى أن تصل إلى الذروة ثم تبدأ بالتلاشي مع احتمالية أن تتبع باهتزازات ارتدادية، لكن لا يستطيع العلماء تحديد وقت حدوث هذه الاهتزازات مسبقاً، ولا يستطيعون أيضاً تحديد وقت وصول الزلزال إلى ذروته بشكل دقيق، لأنهم ببساطة غير قادرين على التنبؤ بالطريقة التي ستستجيب بها الصخور للحرارة والضغط الهائل في باطن الأرض.

 

إشارات تمهيدية

لا توجد طريقة للتنبؤ بالزلازل بشكل دقيق بناءً على أسس علمية، مع ذلك تعتمد بعض الجهات على إشارات تمهيدية معينة قد تدل على أن زلزالاً قادماً سيضرب المنطقة.

على سبيل المثال، لاحظ العلماء بعض التغييرات البيئية التي تسبق حدوث الزلازل مثل زيادة تركيزات غاز الرادون في المناطق المعرضة للزلازل، والتغيرات في النشاط الكهرومغناطيسي والتشوهات الأرضية القابلة للقياس، والتغيرات الجيوكيميائية في المياه الجوفية.

بعض الزلازل سبقتها تغيرات في مستوى المياه الجوفية. فعندما تحدث تصدعات في طبقات الصخور الموجودة في باطن الأرض قد يؤدي ذلك إلى تغيير نفاذية الصخور للمياه، مما يؤثر على مستويات المياه الجوفية. أيضاً، يمكن أن تتغير الكيمياء المائية للينابيع، كما قد يلاحَظ وجود تسرب للمواد الكيميائية إلى المياه الجوفية، أو قد تتغير أنماط تدفق المياه في باطن الأرض.

 

أقوى الزلازل المسجَّلة التي ضربت العالم

الزلازل الأكثر خطورة ودموية، ليست بالضرورة هي أقوى الزلازل المسجلة في توثيقات الجيولوجيا وعلوم الكوارث الطبيعية. فغالباً ما تكون الإصابات دالة على عمق الزلزال، حيث تميل الزلازل السطحية إلى إحداث المزيد من الضرر، علاوة على الكثافة السكانية، ومقدار التهديد الذي يمكن للمباني والهياكل الأخرى استيعابها قبل أن تنهار كلياً.

وقد تسببت بعض أشد الزلازل، مثل زلزال المحيط الهندي عام 2004، وزلزال سيندي العظيم في اليابان في عام 2011، بحدوث موجات تسونامي تسببت في أضرار إضافية وخسائر في الأرواح تقدَّر بالمئات والآلاف.

وعلى النقيض من ذلك، فإن اثنين من أقوى الزلازل التي تم تسجيلها على الإطلاق في التاريخ، مثل زلزالي تشيلي العظيم في عامي 1960 و2010، كان ضحيتهما عدداً قليلاً نسبياً من القتلى، على الرغم من شدتهما الاستثنائية على مقاييس الزلازل المُعتمَدة.

 

منعكسات سياسية واجتماعية

في 1 أيلول 1923، وقع زلزال كانتو العظيم في اليابان، الذي أصبح في ذلك الوقت أسوأ كارثة طبيعية على الإطلاق ضربت اليابان.

وأعقب الهزة الأولى بعد بضع دقائق تسونامي بارتفاع 40 قدماً، حيث اجتاحت سلسلة من الموجات الشاهقة آلاف الأشخاص، ثم اندلعت النيران، في البيوت الخشبية في يوكوهاما والعاصمة طوكيو، أُحرق كل شيء وكل شخص، في طريق النيران.

وبلغ عدد القتلى حوالي 140 ألف شخص، بما في ذلك الـ 44 ألفاً الذين لجأوا بالقرب من نهر سوميدا بطوكيو في الساعات القليلة الأولى، فقط ليتم حرقهم بواسطة عمود غريب من النار يعرف باسم “تطور التنين”.

دمر الزلزال اثنتين من أكبر مدن اليابان، وأصاب الأمة بصدمة. كما أنه أثار المشاعر العنصرية، حيث وقع الزلزال قبل 18 عاماً فقط من دخول اليابان الحرب العالمية الثانية، ويعتقد أن له دوراً في تقوية اليمين القومي المتطرف الذي قاد البلاد إلى شن هجوم واسع في آسيا، وصولاً للهجوم على قاعدة بيرل هاربور في جزر هاواي الأمريكية عام 1941.

 

توظيف التكنولوجيا في تقليل خسائر الزلازل

قطعت الولايات المتحدة واليابان، وهما الدولتان المطلتان على حلقة النار، شوطاً كبيراً في تطوير أساليب التعامل مع الزلازل، عبر استخدام التكنولوجيا والتعليم للحد من مخاطرها، كما طورت اليابان والولايات المتحدة نظاماً للتحذير من تسونامي في المحيط الهادي.

وأدى ذلك لانخفاض خسائر الزلازل في البلدين بشكل لافت، وبدا أن الإنسان تغلب على مفاجآت الجيولوجيا. ولكن في آذار 2011، واجهت اليابان واحدة من أكثر الكوارث خطورة وتعقيداً في التاريخ، وهو زلزال قوي بلغت قوته 9 درجات، ضرب الساحل الشرقي لليابان، وتسبب في موجات مد زلزالية (تسونامي) اجتاحت مناطق ساحلية، وتسبب في تسرب بمحطة فوكوشيما للطاقة النووية.

وتسببت موجات المد بزيادة الحرارة في المحطات الأولى والثانية والثالثة، ونتج عن ذلك انصهار قلب المفاعل وانطلاق غاز الهيدروجين، وهذا أدى بدوره إلى وقوع انفجار داخل مبنى احتواء المفاعل في المحطات الأولى والثالثة والرابعة، وتالياً تسرب الإشعاعات النووية في المنطقة.