ثقافة

القارئ في النصّ

بالإضافة إلى الفائدة والإمتاع، من خلال البناء الجميل، تأتي مشاركة القارئ في النصِّ بما يحقِّق انتقاله من التلقي السلبي أحادي الجانب إلى حالة التلاقي، وما فيها من حميميَّة وتواصل مشترك، وفق ما يلي:
-السعي إلى التجاوز الَّذي يعني الوقوف على جزء من الواقع، يتخيَّره الكاتب بدقَّة، بحيث يكون مكتنزاً على غور ما بعيدِ المدى والأفياء، ففي الواقع أشياء كثيرة لا يمكن اعتمادها أدبيَّاً لبساطتها وعدم احتوائها على عمق يغوص إليه الكاتب ليكتشفه مثل الحديث عن أمور عامَّة ليست فيها خصوصيَّة مميزة، وكثيراً ما تحدث لأيٍّ منَّا، مع استدراك لا بدَّ منه هو أنَّ الكاتب الحاذق يمكن أن يأخذ الحدث العاديَّ، يشذِّبه وينقِّيه ممَّا علق به من ضوضاء المعيش اليوميّ، ويصنع منه نصَّاً جميلاً.
-التمعن في عمق الحدث المراد” قصَّه” وعدم الاكتفاء بالسباحة على سطحه، وهذا يحتاج إلى صبر وجرأة من خلال الحفر عميقاً في مسبباته ونتائج ذلك على القارئ بغيةَ التغلغل في انفعاليَّته ونقل الواقعيِّ إلى عالم المشاعر والأحاسيس وبالتالي الوجدان، بعد ذلك تخليصه ممَّا استقرَّ في أذهاننا من عبارات جاهزة مثقلة بالترهُّل العاطفيِّ، والتنميق اللغوي، والزخرفة البلاغيَّة، وصولاً إلى مرحلة إعادة بناء النصِّ الأدبيِّ فنيَّاً بما يضمن تواصله مع المتلقِّي الحاليِّ ذي الحساسيَّة المعاصرة، وهذا يتجذَّر أكثر كلَّما كان الزاد الفكري، أي ثقافة الكاتب، أعمق، كما تجربته الحياتيَّة، فالنصُّ – أيُّ نصٍّ – حامل ثقافة صاحبه وخبرته في الحياة.
-إخراج الكاتب لنفسه من النصِّ بما يعني التعامل مع الواقع بحياديَّة، وعدم حشر أنفه بالتدخل فيه إلَّا نادراً.
– استخدام نظريَّة الحذف، أو تقنيَّة الممحاة، من أجل ترك فراغات في النصِّ، يملؤها القارئ، فالكتابة تعني المحوَ ضمناً بهدف الوصول إلى نصٍّ متماسك دون حواش فائضة عن الحاجة الفنيَّة نحو لغة مختصرة، مقنَّنة، مشرقة، تفعل أشياء عظيمة إذ تحرك دواخلنا بمشاعر ورؤى ترتقي بوجداناتنا عالياً: “إذاً دعونا نراجع ما نكتب، وقد جهزنا- بتصميم واثق- صديقتنا الممحاة لحذف كلِّ ما هو غير ضروري”.
تشبه الزيادات المجانية في النصِّ قولهم:
– يوجد لدينا ثلج بارد.. فهل ثمَّة ثلج ساخن حتَّى نصفه” أي نميِّزه” بهذه الصفة “بارد”؟!.
– اعتماد وصف لا يكون توقيفاً للسرد، استراحة أو انقطاعاً لزمن الحكيِّ في القصَّة، وذلك من خلال مزجهما عندما تتأمل الشخصيَّة في محيطها، وتستقرئ تفصيلاته المكانية وفق حالتها النفسيَّة.
– العمل على تناوب الأزمنة بين الحاضر(واقعاً) والمستقبل (تأملاً وأحلاماً مشتهاة) والماضي (صوراً من الذكريات والاسترجاع) والتنقُّل وسطها بحريَّة أقرب إلى تقنية اللعب لإبعاد القارئ – وهو المستهدف الأهم- عن الملل بتواصله مع النصِّ تواصلاً فاعلاً، كذلك تهشيم التتابع المفروض زمنيَّاً بينها ما يساعد على تنويع الإيقاع، وتخفيف ثقل الفعل إذا تكرَّر عدَّة مرَّات بصيغة واحدة.
– ولا تنسَ – صديقي القاصّ- أن تنتقي عنواناً لافتاً، وعلى شيء من الغموض الموحي لنصِّك الجميل.
ثمَّة نصوص تنبع من القلب، تشكِّل حضوراً داخلك، لأنَّها ترقى بك إلى فضاءات أبعدَ من الدلالة والتخييل، ما يجعلك مستمتعاً في انتشاء، محقِّقاً لذَّة النصِّ حسب تعبير رولان بارت، لأنَّك مشارك فيه.
يقول المغربيُّ عبد الله المتَّقي في قصَّة قصيرة جدَّاً عنونها “دادة” من مجموعته الصادرة مؤخراً “الكرسي الأزرق”:
(أمِّي تسرِّح حبال رأسها بالزيت البلديّ.. أبي يرتق بلوزته الزرقاء بخيوط بيضاء، و..
أطلقت عمَّتي صرخة طويلة، ثمَّ ملأ النواح المكان، بعدها بقليل: “دادة ماتت” غرقت عيناي في الدموع حتَّى نشفت الدواة، وفي الليل تسلَّلت جدَّتي من النافذة، وتربَّعت على الحصير:
ضمَّتني إلى صدرها الحامض، قبَّلتني كما لو مصَّتني، وبعدها جمعت حكاياتها في سلَّة.
همست في أذني: البقيَّة في أحجياتك.. وأغلقت الباب خلفها).
فالقاصُّ هنا يؤدِّي دور شاهد، ينقل من خلال قلمه البارع ما يشاهده بفنيَّة عالية تاركاً لك أن تستنفر ذائقتك، وتفكَّ شيفرة ما تقرأ في مواجهة المكتوب المكتظِّ بالأحداث والمعاني لتصبح مشاركاً فعَّالاً بجدارة في تأويل النصِّ، وملء فراغاته، لا مجرد متلقٍّ سلبيّ.

ضد الواقعية المحضة
الكتابة في المحصِّلة إبداع لغويٌّ، يتماهى مع الواقع، وينأى عنه بمقدار ما يحتوي من تخييل، في بحث عن دلالة أبعد.
وبالتعريج على القصَّة القصيرة جدَّاً، المتميِّزة بقدرتها على تصوير الواقعيِّ بتفصيلات صغيرة متخففةً من اشتراطات الزمان وضغط المكان، يحدِّد الكاتب ملامح الواقع الَّذي يريد نقله”فنيَّاً “بتكثيفه وتشذيبه وصولاً إلى شعرنته، كي يأخذ القارئ دوره في عملية كتابة النصِّ من خلال قراءته أكثر من مرَّة، ثمَّ تأويله تجليةً للمعنى القابع في الحوادث الجارية، وما حولها من أشياء”.
وفي رأيي كلُّ شيء يُعلَّم حتَّى الأدب: أيُّ شخص يستطيع كتابة قصَّة، إذا تدرَّب  على يدي قاصٍّ ماهر، لكن أن تكون هذه القصَّة بروح، أو بلا روح، مسألة أخرى تحدِّدها الموهبة.
أخيراً تنبثق الكتابة عن نفوس عظيمة هدفها أن يشيع الخير والجمال في حياتنا، ولا بدَّ من فيض زخم عاطفيٍّ للكتابة جذره الحبُّ:
– أيُّها القاصُّ حتَّى لا تفتقد بهجة النصِّ الَّذي تكتبه اقرن فعل الكتابة بالحبِّ.
أن تحبَّ يعني ستبدع أدباً عظيماً وصولاً إليها.

أيمن الحسن