ثقافة

الأدب.. بين الناقد والكاتب

إن تعريف الأدب ككتابة ذات قيمة عالية يعني أنه ليس كياناً راسخاً لأن أحكام القيمة تتغير على نحو كبير. وثمة إعلان لصحيفة يومية هنا أو هناك تقول بأن العصور تتغير وتتبدّل أمّا القيم فلا وكأننا لا نزال نؤمن بقتل الأطفال العاجزين أو بجعل المريض العقلي أضحوكة بين الناس.
وكما يمكن للناس أن يعالجوا عملاً بوصفه فلسفة في أحد القرون وأدباً في قرن آخر أو العكس فإنهم قد يبدّلون آراءهم بشأن الأسس التي ينطلقون منها للحكم على ما هو قيّم وما هو غير ذلك. وهذا لا يعني بالضرورة أنهم يرفضون وصف عمل يعتبرونه متدنياً بأنه أدب إذ قد يواظبون على تسميته أدباً وهم يعنون بذلك بصورة أو بأخرى أنه ينتمي إلى نمط أو لون معين من الكتابة له قيمته بشكل عام وربما من هنا كانت القيمة لما يسمى الأدب القومي الذي لا شك بأنه يجب فهمه بوصفه بناء- إن جاز التعبير – صاغه شعب معين لأسباب معيّنة في أزمة معيّنة فليس ثمة عمل أو تقليد أدبي قيّم في ذاته بغضّ النظر عما يمكن أن يكون قد قيل أو يقال عنه من قِبل أيّ كان ذلك لأن القيمة مصطلح انتقالي فهو يعني كل ما يتم تقييمه من قبل أناس معينين تبعاً لمعايير محددة وفي ضوء غايات معينة.
وإذا كان الفن الإغريقي قد جعل – كارل ماركس – يسأل عن السبب الذي جعل من هذا الفن سحر أبدي على الرغم من أن الشروط الاجتماعية التي أنتجته قد زالت منذ أمد بعيد فدعونا نتخيّل أننا بفضل حدث ما أو بحث معيّن قد اكتشفنا قدراً كبيراً من المعلومات التي تتحدث عمّا كانت تعنيه التراجيديا الإغريقية فعلياً لجمهورها الأصلي وأدركنا أن تلك الاهتمامات بعيدة كلياً عن اهتماماتنا الراهنة ورحنا نقرأ المسرحيات ثانية في ضوء هذه المعرفة المعمّقة فقد تكون إحدى النتائج أن نكف عن الاستمتاع بتلك المسرحيات وقد نجد أننا كنا نستمتع بها من قبل لأننا كنا نسمعها دون دراية.
نحن دوماً نؤوّل الأعمال الأدبية إلى حدّ ما في ضوء اهتماماتنا وثقافتنا الخاصة وذاتيتنا ونزواتنا أحياناً فالناقد. أ. ريتشاردز مثلاً كان قد أعطى طلاّبه مجموعة من القصائد وطلب منهم تقييمها بعد أن حجب عنهم عناوينها وأسماء مؤلفيها وجاءت الأحكام متنوعة ومتقلّبة إلى حدّ بعيد وعلى نحو مشين إذ خفضوا مقام شعراء تمتّعوا بقداسة كبيرة وامتدحوا مؤلفين مسكنهم الظل ولا يتمتعون بأية قداسة أدبية وبالتالي ومن خلال هذا المثال البسيط نجد أنه ليس ثمة حكم أو تأويل نقدي أدبي خالص بل يخضع في حقيقة الأمر لعدد كبير من العوائق والأسباب التي تجعله إيجابياً أو سلبياً بغضّ النظر عن العمل الأدبي ذاته وما تحفل به صفحات الجرائد والدوريات سواء عندنا أو عند الآخر يوضّح لنا حقيقة ما أوردناه.
وطالما أننا تحدثنا عن التأويل وعن النزوات والأنا التي تتحكّم بالحكم الصادر عن أي عمل أدبي فإننا وفي ضوء الكمّ الهائل من الإصدارات التي لا تقدّم أي جديد ولا تضيف أية قيمة أدبية أو فكرية أو معرفية نتساءل عن السبب الذي يمنع إنشاء لجان تأويلية مشتركة ضمن مؤسسة أكاديمية تضم ناشرين ومحررين أدبيين ومراجعين لهم القدر الكبير من الخبرة والمعرفة والكفاءة تحدّد من خلال سلطتها وقوّتها الأحكام العامة على المنتج الأدبي.
يقول جوناثان كالر في كتابه “النظرية الأدبية” الصادر عن وزارة الثقافة /2004/ ترجمة رشاد عبد القادر:
إنّ أحد الأسباب التي تجعل القرّاء يولون الأدب عنايتهم على مختلف أنواعه هو أن لمنطوقاته علاقة خاصة بالعالم علاقة ندعوها “قصصيّة”. فالعمل الأدبي حدثٌ لغوي يتصوّر عالماً ذا طابع قصصي يضم المتحدّث والعاملين والأحداث وجمهور يسعى لمعرفة ما يرمي إليه ذلك الحدث وقد يتأثر هذا الجمهور بالحدث ويُحدث ردّات فعل معيّنة عليه سواء أكان ذلك سلبياً أم إيجابياً وسواء جاءت القراءة بريئة من قبل القارئ أو الناقد أم خاضعة لنزوات وعقد مختلفة فإن الأدب يبقى اللغة ويبقى الخيال والموسيقى التي تعزفها أنامل الأديب على أوتار الكلمات أيضاً ويمكنه أن يكون الواقع الذي يُؤرّخ والذي يجعل الأمم تتقدّم وتتطوّر وبالتالي يجعلها تنهض من تحت الرماد.
رمضان إبراهيم