ثقافة

“قطار ليلي إلى ليشبونة” وهم البحث عن الخلود

فيلم (قطار ليلي إلى ليشبونة) -الذي عُرض ضمن مهرجان أفلام حديثة الجزء الثاني الذي تقيمه المؤسسة العامة للسينما في دار الأوبرا- مغامرة فلسفية هي بحث معمق عن معنى الحياة وقيمتها حيث ندخل الكثير من التفاصيل والأحداث خلال سرد المخرج بيل اوغست (دانمركي) لقصة سلسة متشعبة باستخدام تقنيات المونتاج والتنوع والتلاعب في السرد واعتماد الأساليب الروائية واقتناص مخيلة الروائي واللجوء إلى حيلة التداخل في الأحداث بأسلوب لولبي حيث نحتاج إلى تركيز شديد في متابعة سير الأحداث والتفاصيل حتى نصل للنهاية، ولجأ المخرج إلى الإيقاع الرزين معتمدا على الأداء المذهل للممثل (جيرمي ايرونز) وإصراره على أن تكون اغلب كوادر التصوير ثابتة بمساعدة موسيقى مناسبة لخلق أجواء رتيبة تتصاعد في فترات وتهدأ في أخرى، براعة المخرج وتناغمه مع كادر التصوير تجلت بالسماح للكاميرا أن تجول بعفوية مضبوطة تقترب من دواخل الشخصيات بمساعدة موسيقى غاية في التنوع والعمق ألفتها (انيت فوكس)، الأسلوب الذي اتبعه المخرج بتشكيل مشاهده وسرد حكايته جعلنا نتعمق ونفهم رسالة الفيلم بكل وضوح رغم  الحوارات الفلسفية، فاعتماد المخرج على ممثلين كبار ومبدعين (شارلوت رامبيلنغ) و(برونو غانز) و(لينا اولن) أضفى الكثير من اللمحات الجذابة على شخصية الأستاذ الجامعي الذي كان يعيش وحيدا منعزلا عن العالم قبل أن يكتشف العالم والحياة صدفة عبر رحلته إلى ليشبونة.  مدرس اللغة اللاتينية العجوز (رايموند غريغوريوس) يلاحق حياة الطبيب والفيلسوف والمناضل (اماديو دي برادو) بعد أن يلتقي بفتاة تحاول الانتحار على جسر في بيرن السويسرية، تهرب الفتاة بعد أن أفشل المدرس انتحارها تاركة وراءها معطفا مطرياً أحمر في جيبه كتاب مذكرات (اماديو) التي جمعتها أخته (ادريانا) وأصدرتها بعد موته. بعد اطلاعه على مضمون الكتاب يكتشف أن الكتاب يجيب عما يدور في عقل المدرس وحياته، فيقرر خوض رحلة بحث عن الفتاة صاحبة المعطف والكتاب ليتعرف على الرابط بينها وبين شخصية اماديو. يركب المدرس القطار ويسافر إلى لشبونة بعد أن يعثر على تذكرة سفر إلى المدينة في الكتاب.
في ليشبونة يزور بيت الطبيب ويتعرف إلى أخته التي تروي للأستاذ ملامح من حياة أخيها، وأثناء بحثه عن فندق يصدمه احد الصبية بدراجته فيفقد نظارته الطبية فيضطر لزيارة طبيبة عيون (ماريانا)، وفي سياق معالجته يحكي لها حكاية الكتاب والفتاة، وبالصدفة يكون عم الطبيبة احد أصدقاء (اماديو) أيام النضال ضد الدكتاتورية في البرتغال 1974 العم يروي للمدرس تفاصيل أخرى غامضة من حياة الطبيب المناضل اماديو ضد فاشية (ميندز) سفاح لشبونة، و يذهب المدرس  إلى الكنيسة التي درس فيها (اماديو) ويلتقي بالأب (بارتولومويو) الذي يحدّثه عن (خورخي) صديق (اماديو) الحميم والذي انقطعت علاقته به بسبب خلافهما على حب (استيفانيا) الفتاة التي كانت تحفظ أسماء وعناوين وأرقام هواتف جميع الثوار وقادتهم، يأخذ (اماديو) حبيبته ويهرب بها إلى اسبانيا لإكمال حياتهما بعيدا عن الخوف والقتل، لكنها تخبره بعدم استطاعتها متابعة الحياة معه في المنفى، فهي أوقفت حياتها للنضال ضد الاستبداد والظلم. وبعد سقوط الديكتاتورية وموت (اماديو) بانفجار أحد الأوعية الدموية في الدماغ تلتقي (استيفانيا) ثانية مع (خورخي) أثناء الجنازة.
تتكثف مقولة الفيلم في مشهد مفصلي متقن حيث يلقي اماديو كلمة الخريجين في الكنيسة. الخطاب يتضمن فهمه للحياة والدين ووهم المفاهيم الدينية عن الحياة والخلود والآخرة. الكلمة أدت لانسحاب الكثير من الحضور ومنهم والد أماديو احتجاجا على مضمون الكلمة الشاذة عن التعاليم الكنسية.
أجواء الحب والرومانسية والغيرة والصداقة والنضال السياسي ومطاردات الشرطة السرية وشكوك المناضلين في بعضهم أحيانا، هي الألوان التي تشكل منها نسيج الفيلم المتقن الحياكة من خلال التفاصيل التي ترويها الشخصيات الرئيسية عن البطل الغائب. المناضل  أماديو يظهر في الكثير من مشاهد الماضي (الفلاش باك)، كشاب شديد الحماس والتدفق العاطفي والمثالية الرومانسية، فهو يتمرد على أسرته الأرستقراطية ووالده الذي كان قاضيا كبيرا مقربا من النظام الفاشي وفيما بعد يصبح  أماديو صدفة مقربا من أحد جنرالات الأمن بعد أن أنقذ حياته من إصابة خطيرة، ما أدى لتجمع أقارب ضحايا مينديز قرب العيادة محاولين قتل الطبيب لأنه عالج سفاح ليشبونة، لكن هذه الحادثة تفيده عند هروبه عبر الحدود إلى اسبانيا حيث كادت المخابرات على الحاجز تكشف حبيبته في (طبون السيارة). التفاصيل تتدفق بحميمية من خلال الذكريات المسرودة من قبل الشخصيات التي عاصرت أماديو ومازالت على قيد الحياة، كما نستمع عبر شريط الصوت إلى الكثير من أفكار وآراء أماديو، وتكتمل حكاية الفيلم بمعرفتنا أن البنت صاحبة المعطف الأحمر التي حاولت الانتحار ما هي إلا ابنة مينديز سفاح ليشبونة حيث عرفت من خلال كتاب اماديو جرائم والدها وساديته وهذا ما جعلها تحاول الانتحار كنوع من الاحتجاج على إجرام والدها في حق الشعب البرتغالي. لقد نجحت كما أعتقد رغبة المخرج في الحفاظ على الجو الأدبي للرواية الأصلية واستطاع محاكاة الخيال الروائي رغم تأثير هذا الأسلوب على إيقاع الفيلم.
أحمد خليل