اقتصاد

حجم العمالة في الإدارات العامة والمعالجة المطلوبة تجربة “عمران طرطوس” مثال مهم.. طُبقت منذ 20 عاماً واليوم وقتها كمبدأ وعمل

لايزال واقع الحال يُظهر أن إدارات عامة تعاني بعض النقص الكمي والنوعي في العمالة الموجودة على رأس عملها، وإدارات أخرى تشهد فائضاً يتقاضى أجوراً لا يقابلها عمل أو إنتاج يوازي الرواتب المقبوضة!.
هذه الظاهرة ليست حديثة العهد، بل هي موجودة منذ عقود نتيجة ضعف صدقية الإدارات الفرعية في طلب حاجتها الفعلية من العاملين، وعدم موضوعية الإدارات العليا في تعيين العاملين لدى الإدارات الفرعية، في ضوء الحاجة الفعلية، وغض النظر عن توفر الملاك بخصوص التعيين الملزم لخريجي بعض الكليات والمعاهد التعليمية لدى الجهات العامة، عدا من يعيَّنون دون حاجة، نتيجة أوضاع اجتماعية، أو تحقيقاً لمصالح شخصية بحتة.
وقد تفاقمت ظاهرة خلل توزُّع العمالة مجدداً، إثر الحرب العدائية القائمة على قطرنا، والتي نجم عنها نقص في العمالة لدى العديد من الإدارات، نتيجة التحاق العديد من العاملين في الجيش، والتحاق البعض الآخر -مكرهين أو مختارين- بصفوف التكفيريين، وإدارات أخرى تشهد فائض عاملين نتيجة اضطرار كثيرين لتغيير أماكن عملهم، بسبب الظروف الأمنية ضمن مناطق الإدارات القادمين منها أو إليها.
مدعاة للسرور، أن العديد من الإدارات التي تشكو من نقص يجهد عاملوها الموجودون لتنفيذ ما هو موكل لإدارتهم من أعمال، ولكن الملفت للانتباه أن بعض الإدارات التي تشكو من فائض عاملين، تشهد بعض القصور الكمي أو النوعي في أدائها، ولم تعمد لاستثمار فائض ما بين يديها من عاملين، بما يؤدي لإنتاج يقابل ما يحصلون عليه من أجور، أكان ذلك في تنفيذ أعمالها من تحديث وتطوير وتوسيع، أو في خلق حالات عمل جديدة، ذات علاقة بطبيعة عمل المؤسسة أو غير ذلك، ويندر أن وجّهت الإدارات الأعلى بذلك، أو بادرت الإدارات الفرعية بهذا الشأن.
ولكن من الطريف أن أذكر مبادرة مشكورة عهدتها قبل نحو عشرين عاماً، حيث عملت إدارة مؤسسة العمران في محافظة طرطوس لتشغيل العمالة الفائضة لديها في استثمار الأرض الواقعة ضمن حرمها، في إنتاج زراعي (أشجار مثمرة وخضار وزراعات محمية)، نتيجة شغور هذه الأرض من الاستخدام، إثر ضعف عمل المؤسسة بسبب تقزيم عمل مؤسسات التجارة الخارجية يومئذ، وقد لقي هذا الإجراء استجابة العاملين الذين سارعوا لتأدية العمل الزراعي بكل رحابة صدر، وتحقَّق إثر ذلك فائدة لهم، وللميزانية العامة للدولة، حيث كانت تصبّ الأرباح المتحققة في صندوق المؤسسة.
إن تعيين عمالة جديدة حالة قائمة ومستمرة، ولكن أليس من المتوجب أن تعمل الجهات الأعلى لإعادة توزيع العمالة القديمة الموجودة بين الإدارات بما يسدّ النقص القائم لدى بعضها، ومن ثم تكليف الإدارات –منفردة أو مجتمعة- اعتماد أكثر من آلية عمل، لتشغيل باقي الفائض لديها، في ورشات عمل (زراعية– صناعية– خدمية.. إلخ)، مؤقتة أو دائمة، لغاية تحقيق إنتاج يقابل الرواتب المدفوعة للعاملين، بما ينسجم أو يقارب عمل مؤسسة العامل أو غير ذلك، ولو اقتضى الأمر بعض التأهيل اللازم؟، وأليس معظم الذين لا ينتجون في إداراتهم -ما يوازي رواتبهم- يمارسون عملاً لصالحهم خارج إداراتهم، في هذا النشاط أو ذاك؟!.
من المؤكد ليسوا قلّة أولئك الذين سيستهجنون هذا الطرح، وخاصة من بعض الذين هم على رأس الإدارات، أولئك الذين لا يهمهم إلا حجم ما يحقّقونه من كسب ومنفعة شخصية، ومعهم العديد من العاملين الذين يتباهون بقلة دوامهم وعملهم، غير آبهين بضرورة أن ينتج العامل ما يوازي الأجر الذي يتقاضاه، متغافلين عن أن يقفوا مع أنفسهم وقفة ضمير، ويسألوا أنفسهم: لو كانوا هم أرباب عمل خاص بهم، فهل سيعطون من يعمل لديهم أجراً دون عمل ينتج ما يقارب أجره؟!.
جميل جداً ما نلحظه من اهتمام الجهات العامة والخاصة لتشغيل البطالة الظاهرة، ولكن تشغيل البطالة المقنعة لا يقلّ أهمية، فهل وزارة العمل معنية بهذه المراجعة أم وزارة التنمية الإداريّة أم أكثر من طرف؟؟.
عبد اللطيف عباس شعبان
عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية