ثقافة

د.نبيل الحفار: “غوته” تأثر بحكايات شهرازاد وطالع المعلّقات السبع

كان يتقن عدة لغات أوروبية، ومطَّلعاً من خلال بدايات الدراسات الاستشراقية على عدد من اللغات الشرقية كالسنسكريتية والفارسية والعربية، كما كان منفتحاً بطبعه على آداب الشعوب من خلال ترجماتها إلى اللاتينية أو الألمانية أو الإنكليزية أو الفرنسية.. إنه يوهان غوته الشاعر والمسرحيّ والروائيّ والقاصّ الألمانيّ الذي وصل بالأدب الألماني مع شيلر إلى ذروته الكلاسيكية، والذي عبر حياته كلها وفي مراحل إبداعه المختلفة كان شاكراً وممتناً لبلاد العرب، كما أكد د.نبيل الحفار في المحاضرة التي ألقاها عنه مؤخراً في الجمعية الجغرافية بدمشق.

شُغف بأحاديث شهرزاد
وللتأثير الكبير الذي خلَّفته الحضارة العربية عليه وعلى أدبه بيّن د.الحفار أن غوته كان يعزّ قدماء العرب ويحب آدابهم حباً متميزاً، مشيراً إلى أن معظم أجزاء كتابه “الديوان الغربي-الشرقي” يشهد من دون مواربة على تأثر غوته بشعراء عرب من مرحلة الجاهلية مثل امرئ القيس وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وحاتم الطائي ولبيد بن ربيعة وتأبط شراً وطرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى، وكذلك بشعراء عرب من المرحلة الإسلامية مثل ابن عرب شاه والمتنبي وأبي إسماعيل الطغرائي وقيس بن الملوح.
ولإيجاز سبب افتتان غوته بالعرب ولتوضيح الدافع الذي أغراه بالانشغال بهم يعود الحفار إلى ما قاله بنفسه عنهم: “العرب أمة تبني مجدها على تراث موروث وتتمسك بعادات تعارفت عليها منذ القِدم” ولذلك استحوذ الكثير من قيمهم على إعجابه وأثار اهتمامه بهم كالفخر بالنفس والاعتداد بالنسب والاعتزاز بطرائق حياة الآباء، كما استأثرت بهواه قريحتهم الشعرية وتذوقهم اللغة وقدرتهم على التصور والتخيّل.. وكان قد لمس باهتمام يبلغ حدّ الإعجاب والإكبار ما انطوى عليه الشعر العربي من ارتباط بالطبيعة وحماسة وحميّة وظرف، إلى جانب الحب العارم والبر والإحسان وكرم الضيافة.. والأهم برأي د.الحفار أن غوته كان  طوال حياته شديد الشغف بأحاديث شهرزاد التي تعرَّف عليها من خلال والدته وجدّته في أيام طفولته المبكرة، ولم تُمحَ من ذاكرته أبداً.. من هنا لم يخمد ميله نحو هذا الأثر الأدبي فاستدعى في الكثير من أشعاره شهرزاد وعبَّر على لسانها عن بواعث معيّنة وألبسها أدواراً وأفعالاً مختلفة، ولتجسد هذه العلاقة المتينة التي كانت قائمة بينه وبين “ألف ليلة وليلة” قارن غوته نفسه بصفته شاعراً وروائياً بشهرزاد الأمر الذي يفسر ولعه بنوع معين من أنواع التركيب التوليدي أو الاستطرادي المميز لأسلوب “ألف ليلة وليلة” وشغفه باستخدامه في بعض مؤلفاته.
وأكد د.الحفار أن اعتراف غوته نفسه بأنه كان ينهج نهج شهرزاد السرديّ، بيَّنَ أن ما كان يبدو لنا إهمالاً في بنية شكل الرواية التي كتبها لم يكن بحال من الأحوال نتيجة ما يرافق الشيخوخة من كسل وإنما هو باعترافه طريقة السرد عينها لأقاصيص مختلفة بصورة توليدية، في حين وعلى صعيد بنية الشكل الفني قدم غوته كما أشار د.الحفار بعض مؤلفاته المرتبطة بسيرته الذاتية ولاسيما “شعر وحقيقة” بأسلوب الراوي العربي، ومثلها “سنوات تجوال فيلهلم مايستر” ومأساة “فاوست” و”الرحلة الإيطالية” التي لم تُنشَر دفعة واحدة بل قُدِّمَت للقراء مسلسلة تفصل بينها فترات متباعدة، وقد سمى غوته هذه المؤلفات “الألف ليلة وليلة العجيبة في حياتي” وكان في نهاية كل فصل فيها يضع كلمة “يتبع” محاكياً الراوي العربي في قوله: “وأدرك شهرزادَ الصباحُ فسكتت عن الكلام المباح” الذي كان يختم به كل ليلة.
وبيَّن د.الحفار أن تأثّر غوته بـ “ألف ليلة وليلة” لم يقتصر على بنية الشكل الفنية فحسب، فبالقدر نفسه استلهم في حالات كثيرة موضوعات ملموسة من هذا الأثر الأدبيّ العربي، والدليل على هذا برأيه مؤلفات أدبية متعددة صاغها في مراحل حياته كافة بدءاً من مسرحيته المبكرة “نزوة عاشق” وانتهاءً بآخر أعماله أي الجزء الثاني من “فاوست” لإسباغ جوّ سحريّ على بعض أجزاء نتاجه الأدبيّ، مؤكداً أنه استعار في حالات بالغة الأهمية مجموعات متكاملة من الموضوعات الرئيسية وأحداثاً من المشاهد من “ألف ليلة وليلة” مثلما استعار منها صيغة السرد، ففي مسرحيته “نزوة عاشق” استعان غوته لبطلته الاسم العربيّ أمينة من إحدى حكايات “ألف ليلة وليلة” وكذلك المعالم الرئيسية للشخصية التي تلاحقها الغيرة العمياء، أما في “سنوات تجوال فيلهلم مايستر” فيلمح الشاعر بصورة جلية إلى قصتَي “علاء الدين والمصباح السحريّ” و”حلاق بغداد” وفي الجزء الأخير من روايته “الأنساب المختارة” استعان أيضاً بقصة “أبو الحسن وشمس النهار” واستفاد في حكايته التي حملت عنوان “أقصوصة” من حكاية الأمير أحمد والجنية باربيانو.

غوته والمعلّقات السبع
تعرّف غوته على المعلّقات السبع في العام 1783 عندما ظهرت الترجمة الثانية لوليم جونز متضمنة النص العربيّ المطبوع بالحروف اللاتينية مع الترجمة الإنكليزية، وقد حفّز ذلك غوته على ترجمتها إلى اللغة الألمانية، ويبيّن د.الحفار أن غوته انشغل إلى حد كبير بموضوع المعلّقات، مشيراً إلى أن شعر النسيب قد فتنه وسحره سحراً شديداً، وما يمكن إثباته هو استعارة غوته في شهر شباط 1815 حتى بداية نيسان ثلاث طبعات للمعلقات من مكتبة فايمار وسجّل في يومياته أنه طالعها وروى شعراً منها في قصر الدوق، كما استعار غوته من المكتبة الترجمة الألمانية للمعلقات ثم كتب في كتابه “تعليقات وأبحاث”: “وعند العرب الذين يسكنون في بقعة أقرب إلى الشرق نجد كنوزاً رائعة في المعلقات وهي قصائد مديح نالت الجوائز في المباريات الشعرية” مؤكداً غوته أن هذه القصائد تزودهم بفكرة وافية عن علو الثقافة التي تميزت بها قبيلة قريش، وأن قيمة هذه القصائد تزداد بما فيها من تنوّع رفيع، وأكد الحفار أن غوته في كتابه “تعليقات وأبحاث” قد تجاوز مواقف الدراسات العربية الاستشراقية المعاصرة له، فتأكيده تمتّع القرشيين بمستوى ثقافيّ عالٍ يدل على أنه لم يكن يرى في المعلقات مجرد شعر فطريّ وسلسلة من صور نضّدت بغير فنّ حسب زعم بعض المستشرقين، بل كان يرى فيها شواهد على الثقافة العالية.
وبيَّن الحفار أن غوته في كتابه “في النفحات الأليفة” يتحدث أكثر من كل مؤلفاته الأخرى عن الشيخوخة، ولو تتبعنا هذا الموضوع لتبين لنا أن غوته في تناوله لهذا الموضوع قد اعتمد مراراً على الشاعر زهير بن أبي سلمى في معلقته الشهيرة، حيث الكثير من أبيات غوته الشعرية تبيّن بصورة واضحة أنه لم يقتصر على تناول الثلاثية التي كان زهير بن أبي سلمى قد تناولها من قبل، أي الأمس واليوم وغداً على نحو حرفيّ وإنما يبيّن التطابق المفاجئ لكلمات غوته مع كلمات أبي سلمى في معلقته الشهيرة، ومن ثمة كلمات العديد من الشعراء العرب.
أمينة عباس