ثقافة

ينصح بوجود الأهل

يوماً ما كانت الدراما التلفزيونية هي دراما العائلة كل العائلة، دون وجود دوائر صغيرة على زاوية الشاشة تحدد الفئة العمرية المناسبة للمشاهدة وبجانب بعضها عبارة: ينصح بوجود الأهل!
يوماً ما كانت الدراما التلفزيونية تحمل روح الأسرة باعتبار أن ما كانت تشاهده الأسرة السورية على شاشتها الرسمية، يشبهها في الشكل والمضمون، حينها كانت الكاميرا تستحي أن تدخل غرف النوم وتفضح أسرارها، واليوم نرى كيف صارت أغلب الأعمال الدرامية التلفزيونية السورية في غرفة النوم، حتى أن ما توحي به غرفة النوم انتقل إلى الصالون وغرفة الجلوس والشارع والكافتيريات والحدائق، بعد أن صار العري والتعري شرطاً من الشروط الأساسية التي يطلبها المنتج لتسويق مشروعه التجاري.
كانت تلك الكاميرا تأنف من العنف ومن الدماء ومن القتل، ونراها اليوم كيف صارت أفلام رعب وأكشن سادي يكتب تفاصيله “أولاد” وهم يلهون فوق طاولات المقاهي تحت ضغط شعورهم الثقيل بضرورة أن ينهلوا من الواقع، ثم يذهبوا نحو أقذر ربما ما يوجد في الواقع “وربما لم يجر إلا في خيالهم” لجعله في سياق الأعمال التي يكتبونها على شاكلة “من كل مجزرة جثة” تابعنا في أحد الأعمال مشهد لامرأة سورية تتسلى بتقطيع الناس! أي سادية هذه.
أشفق فعلاً على الأجيال التي لم تعرف والتي لن تعرف معنى الكلام التالي إذا سمعته “هذا إذا تسنى لها أن تسمعه”: (أعزائي المشاهدين موعدكم الآن مع مسلسل السهرة…)، كيف ستعرف تلك الأجيال معنى هذا الكلام على وضوحه وبساطته، وهي موعودة على مدار الساعة، بمتابعة أكثر من 100 قناة مع مسلسل ما، يستطيع من فاتته حلقة منه في المساء أن يشاهدها فجراً، ومن فاتته فجراً أن يراها ظهراً، وإذا لا قدر الله تلاشت المحطة التي كان يتابعه عليها، فأكثر من عشر محطات ومئات المواقع الالكترونية بخدمته وتحت أمر شواربه، تبث ذات المسلسل.
شفقتي هذه سببها أن تلك الأجيال فاتها أن تعرف ما معنى أن يكون وقت عرض المسلسل هو وقت للعائلة وكأنها على موعد يومي مقدس، حيث كانت العائلة  تجتمع بكبيرها وصغيرها لتشاهد مسلسل السهرة، الذي كان يبث في التاسعة مساء بعد نشرة الأخبار الرئيسية، تبدأ الشارة ويسود الصمت، الكل يشاهد بشغف عدا ربما الأم التي تغفو بين الحين والآخر أثناء المشاهدة، بعد أن يكون تعب النهار قد نال منها لكنها تصر بعناد أنها تتابع حتى ولو سهت قليلاً.
لا إعلانات  تجارية  مرهقة  تجعل المسلسل يبدو وكأنه هو الإعلانات والإعلانات هي المسلسل، لا جوالات ترن وتعكر المزاج، ولا فيس بوك وتويتر جرت على تخومه هجرات جماعية من “لمة العيلة”، والأهم من ذلك أن هناك انتظاراً لذيذاً للحلقة التالية التي لن تبث قبل اليوم التالي في نفس التوقيت، ولا حتى في محطة أخرى.
أتخيل جارتنا التي كانت تعيد لشلة القهوة الصباحية من نساء البناء، مجريات الحلقة التي بُثت مساء اليوم السابق وشاهدها جميع من في تلك الجلسة الحميمة، وهي تقوم بكامل الإيحاءات والتعابير الإيمائية التي يتطلبها المشهد المروي، فإذا كان المشهد عاطفياً ترى الحنان بادياً في نظراتها ومرفرفاً من صوتها و وجنتيها تتوردان، وإن كان المشهد حزيناً، فلسوف تتسلل من عينيها بضع قطرات من الدمع الصافي، وباقي النسوة يستمعن بشغف إلى المجريات التي شاهدنها وكأنهن يسمعن بها للمرة الأولى، لتبدأ بعدها رحلة النقد النسائي الدرامي وإعطاء الشخصيات توصيفات عجيبة غريبة حسب طبيعة الدور، والتكهنات حول مصير الأحداث وما ستؤول إليه المجريات القادمة، أتخيلها لو أرادت الآن أن تقوم بنفس ذلك الفعل الجميل في جلسة قهوة صباحية لنساء البناء، فماذا ستفعل؟ وأي مسلسل ستقوم بسرد حلقة منه وهي متيقنة من أن الجميع يعرف عما تتكلم، فلربما تكون تتحدث عن عمل صادف وأن نصف جاراتها لا يتابعنه.
أشفق على جيل لن يعرف فرحة أن تحدث صدفة تجمعه بممثل سوري من وزن “ناجي جبر” أبو عنتر شخصياً في المقهى أو في السوق، في واحدة من المقابلات التي أجراها الراحل الكبير “ناجي جبر” تحدث عن حادثة جرت معه وهو في أحد الأسواق، حيث لجأ إليه أحدهم وطلب منه أن يأخذ له حقه من تاجر نصب عليه، كيف لا يطلب إليه وهو أبو عنتر “القبضاي والزكرت” السوري الذي ظهر كما هو حقيقة كرجل وطني غيور ومحب.
تلك العلاقة الحميمة التي بناها العديد من كبار نجوم الدراما السورية مع الناس البسطاء قبل غيرهم، قدمت هموم هؤلاء وأفراحهم، وجعهم وأحزانهم، أعيادهم وأتراحهم، تلك العلاقة اختفت وحلّ مكانها “الفانز” المتابعون على “السوشال ميديا” كل أخبار نجمهم أو نجمتهم بدءاً من استيقاظها المبارك من النوم مروراً بشربها “النسكافيه” وهي بقميص النوم وليس انتهاء بدخولها لحجرة تغيير ملابسها، قبل أن تغلق الباب وهي تودع محبيها “رح غير تيابي وأرجعلكن” مع ابتسامة ماكرة لها ما لها من معنى في قلوب “الفانزات”.
واحد من نجومنا التحفة، طلب إليه فتى يافع أن يأخذ صورة معه، ثم تمادى الفتى قليلاً ووضع يده على كتف نجمنا الموقر، فما كان منه إلا أن انهال عليه ضرباً والفتى ينظر بدهشة إلى بساطة ما أراد وهول ما رأى!.
أراني أتحدث عن ماض وكأنه سحيق، أتحدث بحنين كبير عن مرحلة عشتها وأعرف ما تعنيه وما هو الأثر الطيب الذي تتركه.
يوماً ما كانت الدراما السورية دراما العائلة، يوماً ما كانت كذلك حقاً، وما حديثنا عن كون هوية درامانا المحلية في خطر، إلا  كلام صار بلا معنى ، لذا ننصح أيضاً بوجود الأهل.
تمام علي بركات