ثقافة

الأدبُ للجميع

الأدب ليس حكراً على طبقةٍ مثقّفة كتلكَ التي ترتادُ المقاهي أو تتحدّث اللغةَ الفُصحى في تفاصيلِ حياتها اليومية، أو تنظرُ إلى بقيّةِ النّاسِ من الأعلى كأنّهم جنسٌ آخرَ مختلف، وليس بروتوكولاً اجتماعياً في بلاط قصر، والتزاماً بقواعدَ معيّنة في الأكل والشّربِ والحديث، ولا مرتبةً مرتبطةً بمراحل تعليم، كأن نُضفي هذه الصّفةَ للمُتعلّمِ فقط ونحجبها عن ذاكَ الموهوب الذي لم يُكمل دراسته لظروفٍ مختلفة، وليس فقط حالةً شعريّةً مُبهمة كأن يكتبَ شاعرٌ قصيدةً غريبةَ الألفاظ متناقضةَ المعاني، غزيرةَ الصّور، ولا نثراً غير واضح الخيوط، غيرَ مرتّبِ الأحداث، ولا روايةً سرديّةً مملة كتلكَ التي لا نستطيعُ إكمال صفحتها الأولى دونَ تنهيدٍ وانزعاج، ولا قصّةً موجّهةً للنّقاد فقط بعيدةً كلّ البُعدِ عن بساطةِ الناس وحياتهم اليومية وظروفهم وهمومهم المُعاشةِ بصبرٍ وعَوَز، ولا قصيدةً مُلقاةً من الطابقِ العاشرِ للعقل إلى أرضِ الغريزة.
الأدب..كلماتٌ تقتربُ في بساطتها من تعقيداتك، حروفٌ ترقصُ على مسرحِ مركزِ فَهمك، فكرةٌ ضخمةُ الحجمِ تدخلُ بسهولةُ من بابِ ابتسامتك الضيق، جملةٌ يقولها مجنون في لحظةِ تحرّر فكرهِ من أغلال العقل! الأدب..مقطعٌ في حديثٍ عابرٍ بين امرأتين تشتريان الخُضار،  لمحةٌ في نظرةِ سبعينيّ تخترقُ سماكةَ جدار، إشعاعٌ في ضحكةِ عاشقةٍ تُخفي حبّها عن ظلّها النمّام.
الأدب.. كالهواءِ أينما ذهبتَ يحيطُ بك، كالماءِ حينما تعطشُ يرويك، كالنار إن لعبتْ أصابعُ انجرافكَ بلهيبهِ سيحرقك! الأدب.. مرئيّ تماماً لا يختفي خلف إصبعِ نور، ولا يخشى إظهار فتنةِ عُريه. يسيرُ بين الناس حيناً، وينامُ على ألسنتهم دون أن يدرون أحياناً. في اهتمامهم وحبّهم وكرههم، في أفكارهم وصلواتهم وكفرهم.
حين نقرأ نصاً، لا نستطيعُ أن نقيّمَهُ إن كانَ أدبياً أم لا، إلا من خلالِ تفاعلنا معه وإحساسنا بفكرتهِ وطريقةِ تقديمها وتأثيرها وفرادةِ أسلوبِها في نقلِنا من حالةٍ إلى أخرى، من عالمٍ إلى آخر، من قلبٍ إلى عقلٍ بالتناوب! كما لا يخلو نصّ من لمحاتٍ أدبية ليس بالضرورةِ أن يكونَ كاملُ النّصِ أدباً خالصاً. ربّما تستفزّنا جملٌ ببساطتها وعظمةِ معانيها وربّما تشذّ جُملٌ أخرى عن مسارِ الفكرةِ وهدفها، من يقيّم؟ من له الحقّ في إعطاء الحُكم؟ كلّنا نفعل ذلك، كل قارئ له وجهةُ نظرٍ في نصٍ ما، البعضُ يعتبرهُ نصاً أدبياً عظيماً والبعض الآخرُ ربّما لا يعيرهُ أي انتباه.
نعم الأدب وجهةُ نظرٍ، كما كلّ ما يحدث، تتحكمُ بهذهِ الوجهةِ ثقافتنا كمجتمعٍ وكأفراد، وقدرةُ عقولنا على الإبحارِ في أعماقِ الخيال والعودةِ بمحارِ المعاني إلى السطح.
كثيرٌ من الكتّاب والشعراء أبدعوا في ما قدّموه لنا من إنتاجاتٍ فكرية، وقليلٌ منهم استطاعوا التأثيرَ فينا حتّى حفظنا أشعارهم عن ظهرِ قلب، وتناقلنا كلماتهِم كأنّها حِكَمٌ وأمثال، ولكن حتى تلك القلةُ القليلة لا يوجدُ رأيٌ عامٌ موحّدٌ يعتبر كل إنتاجاتها أدباً عظيماً، دائماً هناكَ من يقول بأنّ نجاحَ عملٍ أدبيّ مهم يرفعُ اسم الكاتب فوق مستوى النّقد، ويعطيهِ ضوءاً أخضرَ فيما تلا من كتاباتهِ ومنشوراته وقصصه، وفي هذه الحالة يصبحُ كل من يهاجمُ عملاً أدبياً لذاك الكاتبِ معرّضٌ لمواجهةِ جيشٍ من (المثقّفينَ) أولئك الّذين يدافعونَ عن اسم الكاتبِ لا عن كتابهِ ولا عن إبداعهِ، يدافعون ربّما عن هالةِ النّور التي رسمَها النجاحُ الأول! هنا في هذه الحالة يغدو الأدبُ كأي تفصيلٍ من تفاصيلِ صراعاتنا التي لا تنتهي، كأي نزاعٍ من نزاعاتنا التي لا تريدُ أن تتوقف، يزيدُ من انقسامنا ونزيدُ من تخفيفِ وهجهِ على بردِ عقولنا، ونصنّفُ من خلالهِ البشرَ، فذاكَ مع الأدبِ وآخرُ مع الأديب، أو ذاكَ مع منفعتهِ والآخرُ مع إعلاءِ شأن الكلمة، أو حتّى ذاكَ مع موقفٍ ما وآخرَ مع نقيضهِ لمجرّد الاختلاف بالرأي والجدل العقيم، وغيرها الكثيرُ من التصنيفات التي وإن أرهقتْنا أرى أنّها نتيجةٌ لا سبب، وانعكاسٌ طبيعي لتصنيفاتٍ أخرى اجتماعيةٍ وحياتيةٍ وإنسانية.
الأدب..أنا و أنتَ وذاكَ وتلكَ في لحظاتِ اقترابنا من أرواحنا حدّ الالتصاق، وفي لحظةِ الإبحارِ على مراكبِ أخيلتنا نسعى خلف انعتاق، وفي لحظةِ إحساسنا بالآخرِ عبر المسافات والأجناسِ والأديانِ والأعراق.
الأدب.. أن تحثّ طاولتكَ على التكلّم دون أن تخترعَ لها شفاه، وأن تُراقصَ جسداً دونَ أن تصلَ يدكَ إلى خصره، وأن يراكَ البحرُ دونَ أن تستطيعً التحديقَ في عينيه، وأن يلفّكَ الضّبابُ دونَ أن تشعرَ بالحنان، وأن يحبّكَ شخصٌ دونَ أن يضطّر لسماع صوتك و تقبّل شخيرك ومصافحةِ يدك وطلبِ رقم هاتفك.
الأدبُ…نظرتُنا إلى الحياةِ بعيونِ إنسانيّتنا، إحساسنا غير المألوف بالأشياء والكائنات، بحثنا عن تفاسيرَ أخرى للوجود والعدم والحياة والموت والأبد.
الأدبُ ليس كُلاً واحداً أبداً، هو كالحقيقة، متناثرٌ هنا وهناك، يقفُ على مسافةٍ من الجميع، سامحاً كلّ حينٍ ببلوغ بعض الجُمَلِ مرحلةَ الخصب.
وسام محمد ونوس