ثقافة

منولوج “الأوله في الغرام” رثاء أب مفجوع وليست نهاية حكاية حبّ

كثيرون يعتقدون أن المنولوج الشهير الذي تماهت أم كلثوم بمفرداته “الأوله في الغرام” من مقام الرست، هو حكاية حبّ حزينة كُتب لها الفراق، لكن كما أوضح الباحث وضاح رجب باشا في محاضرته الشهرية من سلسلة موسيقا الزمن الجميل في المركز الثقافي “أبو رمانة”، أن هذا المنولوج الأشبه بمسرحية غنائية هو رثاء الملحن زكريا أحمد المفجوع بوحيده، لذلك كانت جمله الدرامية اللحنية والتعبيرية منسابة مع أوتار قلبه الممزقة. وقد نجح بيرم التونسي من خلال كلماته من إعادة زكريا أحمد إلى الحياة بعد عزلة تامة.
الأمر الهام الذي ناقشه الحاضرون مع الباحث أثناء الندوة هو غناء السيدة أم كلثوم هذا المنولوج في بداية الأربعينيات مرحلة المنافسة الشديدة بينها وبين أسمهان التي غنت “ياطيور” المستوحاة من نمط الغناء الأوبرالي ذاته وطبقة السوبرانو.

التكرار والإضافات
دمج الباحث بين الحديث والجانب السمعي الإصغائي لشرح الشكل الفني للمنولوج الزجلي الذي كتبه بيرم التونسي من رحم المجتمع المصري الشعبي، والذي يعتمد على خاصية التكرار، إذ اعتاد الناس في مصر في الأفراح والأتراح أن يرددوا ثلاث مقولات، وتبدو براعة بيرم بإضافة مفردات لكل تكرار بنسج عبارات مترابطة بإحكام وتناغم، ففي المقطع الأول: “الأوله في الغرام والحب شبكوني، والثانية بالامتثال والصبر،أمروني، والتالتة من غير ميعاد راحوا وفاتوني”. ليعود بإضافات في المقطع الثاني فيضيف لنظرة عين إلى الأولى في التكرار الثاني، والثانية يضيف لها وأجيبه منين، والثالثة قولولي فين، وفي التكرار الثالث يضيف للأولى قادت لهيبي والثانية احتار طبيبي والثالثة سافر حبيبي، ما أضفى على المنولوج قيمة فنية مضافة. ثم تحدث عن الصدمة الكبيرة التي عاشها زكريا أحمد بعد وفاة وحيده الذي رزق به بعد أربع بنات وهو في الثامنة عشرة إثر مرض لم يمهله إلا سنة، فحينما سمع زكريا أحمد: “حطيت على القلب إيدي، وأنا بودع وحيدي” وافق على تلحينه.

من الرست إلى الصبا
وكما أشار الباحث فإن المنولوج يتميز بصعوبة التلحين الذي يخضع لرؤية الملحن الدرامية والتعبيرية، وإلى وجود مقدمة موسيقية، ومن ثّم خاتمة قد يخرج فيها عن المقام.
وقد نصت زكريا أحمد لهمسات قلبه فبدأ بمقدمة موسيقية هادئة دون أية إيقاعات، تنقل المستمع إلى أجواء الشجن والفراق، فمن الرست إلى السوزناك إلى النيروز ليتوقف عند الهزام “حطيت على القلب إيدي” لأن الهزام مقام يجمع بين الحجاز والسوزناك، ثم يتحول المنولوج إلى مقام البيات “اسمعيني يا عيني وبالدمع جودي يا عيني” ثم ركز على البيات تمهيداً لدخوله مقام الصبا في أقوى مقطع
“من يوم ما سافر وحيدي، وأنا بداوي جراحي”.
وهنا توقف الباحث ليلفت انتباه المستمعين إلى تماهي أم كلثوم بمعنى الكلمات بإحساس صادق بلغ بها حدّ تقمص شخصية زكريا أحمد .
في المقطع الثاني من المنولوج اعتمد فيه على وزن الوحدة الكبرى، وبدت القدرة الصوتية عند أم كلثوم باهرة باستخدام صوتها الرخيم وتحكمها بأعلى درجات السلم الموسيقي – كما قال الباحث- مع الاهتزاز العالي، لينتهي المنولوج بجمل لحنية منسابة بحزن شفيف فيختنق صوتها بالعبرات حينما تقول:
“الأولى نار وقادت والسبب نظرة، والثانية ما طلت غير الصبر والحسرة، والتالتة أنا اللي جرالي عمره ما يجري، سافر حبيبي”.

خاصية التفريد
وبعد الانتهاء من تحليل المنولوج تطرق الباحث إلى خاصية التفريد التي تميزت بها أم كلثوم بالغناء على وزن الوحدة الكبرى أو على الفالت أي دون إيقاع، فتقوم بتكرار الكلمات بأسلوبها الخاص لإظهار براعتها في الغناء، لكن في هذا المنولوج حدد لها زكريا أحمد مقطعاً على وزن الوحدة للتفريد، وهو من أصعب أنواع الغناء، وقد امتثلت أم كلثوم لرغبته إيماناً منها بقدرته على الصياغة اللحنية.
ملده شويكاني