ثقافة

أرصفة الغربة.. الأزرق يليق بنا!

طلال مرتضى

أتوقف أعلى السطر، متوارياً عن ظلّي وراء ذكريات أودعتها الهامشَ المنفيّ من دفتر الحساب، كي أتحاشى شبهة النص، الوقوع في الحبكة المحكمة أقل ضرراً من التعثّر في الدهشة، الذين يغزلون القصائد نحاة بارعون، يتركون بيوت شعرهم مستباحة التأويل لعابري الحدود. في طريق السفر رأيت شاعراً حذقاً يطرق أبواب بيوت الشعر، بيتاً بيتاً، يشحذ نفثة ملح ونقطة زيت، يضعها كاستعارة أو كناية دوّح مضمرات الطريق..
“مرّة هي المعرفة التي نجنيها من السفر” يقول بودلير الفرنسي.
نعم جلّ الذين يتجاوزون الإشارات الضوئية الحمراء، أثبتت الدراسات الاستطلاعية أنهم ليسوا من السوريين “اللاجئين”، وأقول السوريين هنا، لأن كل لاجئي الأرض الذين تهافتوا إلى القارة العجوز، قالوا بالفم الملآن إنهم جاؤوا من سورية، بالطبع فالكل يدعم قوله بالواقعة، حين يبرز “الأزرق” الموشّى بالنسر الذهبي -جواز السفر السوري- لست أدري، أتوقف مشدوهاً متعجباً، فاللعنة السورية التي حلّت على أبنائها، نزلت برداً ويماماً على الغير..
قبل خروجي من روحي (دمشق) تفقدت أناي، أعتقد، بل أجزم أنني نسيت خطواتي فوق درج مقهى “النوفرة”، كان هذا لحظة وداعي المدينة العتيقة، حين دلفت وحبيبتي بهو الزقاق الآيل للرحيل، كنّا “نلف أصابعنا في تشابك كهربائي، وعلى حافة كل أصبع مدملج بآخر، نسترق شيئاً من الشهوة”.
قلت لراعي “المريمية”: أبتاه هبني شمعاً أشعله لأجل الشام، فأنا مسافر في الغد.         دنا مني هامساً كي لا يكسر رتم الصلاة القائمة: الشام تحفظك في حلّك وترحالك.        في الجزيرة اليونانية “سالي” رست بنا قوارب الموت، ما أجمل “الزورباويون” الذين تجمهروا وكأنهم بانتظار غيابهم، حين دلفنا كنيسة البلدة كانت مآذن دمشق تعلن موعد صلاة الظهر، قلت لراهبها: أودّ الوضوء كي أصلي.
أخذني بيده حدّ المطاهر وغادر، بعد أن أتممت وضوئي وجدته يحمل بشكيرا لم يستعمله أحد قبلي: قلت يا أبتاه، وضع أصابع كفه فوق فمي متمتماً بكلمات عربية مشوهة: آلب.. آلب.
ــــ هل تعني حلب.. حلب يا أبتاه؟.
هزّ رأسه في وجهي وكأنه يقول نعم..
ــــ ” I’m from Aleppo” أنا من حلب.
برقَ ومضٌ عجيبٌ في عينيه، قال كلمات غير مفهومة غار معظمها طيّ حنجرته، شدّني إلى صدره، حين ذلك غبنا في صمت الدموع.
عندما وصلنا إلى مركز المدينة الوادعة “ضيافاني” كان سكانها عن بكرة أبيهم في استقبالنا، أحدهم ترجم ما قاله الشرطي: محافظ المدينة جاء يستقبلكم أيها السوريون.
ضحكت في سري، كنا ستة سوريين من أصل خمسة وخمسين مهاجراً.
كانت المفاجأة عندما سأل المحافظ باللغة العربية المحكية: “وينن السوريين”؟.
رفع أحد الأصدقاء يده، سأله المحافظ أنت سوري؟.
رد الشاب مبهوتاً بالانجليزية: yes.
–    “لك ابني أسألك بالعربي أنت سوري.. تقلي يس”؟.
كان المحافظ سوريّ الأصل، ابن اللاذقية، وصل جده قبل ثلاثين عاماً هذه البلدة التي يرأسها الآن، يالله ما أكرم أهل “ضيافاني”.
بعد مسير متعب تجاوز الخمس ساعات وصلنا نقطة العبور بين اليونان ومقدونيا، وكان الحدّ الطبيعي بين الدولتين نهراً عريضاً لا يمكن عبوره إلا من فوق جسر كبير، لكن هذا الجسر مكمن لحراس الحدود، حيث لا بد من المغامرة، فكان الوقوع في الفخ سهلاً على الرغم من الحشد الغفير، وكان لا بد من استجداء الفتاة الشقراء الآمرة كي تتيح لنا العبور، بقيت متعنتة وهي تأمر الحراس بفتح باب الحافلات كي يصعد اللاجئون، ظلت تدقق في أوراقهم، العراقي والأفغاني، وعائلات من كردستان، كانت كلما تصادف بطاقة أو جواز سفر سورياً، تقول له قف هناك.        وحين انتهت، توجهت نحونا قائلة بلغة انجليزية ركيكة بما معناه: أنا أتعاطف معكم أيها السوريون، أعرف الكثير عن سورية، كان أبي بحاراً، لديّ تذكارات جميلة من سورية، الآن سوف ندير لكم ظهورنا، وحين أنتهي من عدّ أصابع كفي، كل من أجده ورائي سوف يصعد الحافلة.
وأنا أطلق العنان لأرجلي هارباً، سمعت راعي “المريمية” يهمس في أذني: الشام تحفظك في حلك وترحالك يا بني.