ثقافة

“طشاري” رواية التشظي الإنساني في أصقاع الأرض

منذ بدء الخليقة تتوالى موجة الهجرات البشرية من منطقة لأخرى  تلمساً لأسباب الحياة من جهة، وهرباً من تعسف الطبيعة القاسية من جهة أخرى، إلى أن أصبحت الموجات البشرية هرباً من تعسف وجور الإنسان والأوطان التي تفرغ من أبنائها، هي الوجه الأبرز للظاهرة التي رصدتها الروائية إنعام كجه جي في (طشاري) وهي العمل الثالث لها بعد “سواقي القلب والحفيدة الأمريكية” “طشاري” التي وصلت للقائمة القصيرة للبوكر العربية لعام 2014عن دار الجديد في بيروت حيث هي حسب تعبيرها رواية من فقد مسقط الرأس ومهوى القلب.
باسترجاع تاريخي لتفاصيل الحياة العراقية تسرد قصة الطبيبة وردية التي ناضلت لإحياء الطبيعة الحية والأصيلة في موطنها على أكثر من صعيد. المرأة المتعلمة والعاملة التي تحفر طريقها في صخر الواقع المبتلي بالجهل والتخلف، بهدوء وصبر القناعة العميقة بإعادة إحياء الروح الحضارية الضاربة في تاريخ المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى تسليط الضوء على فسيفساء المجتمع المتآلف في الماضي من جوانبه الطائفية والعرقيات والإثنيات المتعايشة جنباً إلى جنب، حيث تقدم الزمن إلى الأمام يرافقه الانكفاء في الفكر والوعي الاجتماعي لهذه البقعة من الجغرافيا التي تتوافر فيها كل مقومات الانطلاق، (الثروات الطبيعية، التاريخ الضارب جذوره في المكان، طاقة البشر العالية للحياة حيث كان المجتمع يمور بالفن والشعر)، لتكون في مدارات عيون الذئاب التي أخذت تقطع أوصال هذا البلد، ولتنتهي الطبيبة ابنة الثمانين عاماً مهجرة خارج العراق هي وأفراد أسرتها، كل في بلد، هندة في كندا، ياسمين في الإمارات، براق في إحدى الجزر النائية تلتهمهم حمى الحياة في دورانها المتسارع للبحث عن الرزق وإدراك النجاح في عالم غريب، ولتأتي كلمة “طشاري” عنوان الرواية المغرق في محليته تعبيراً عن الشتات الذي يضيع فيه أبناء العراق بقولها على لسان البطلة “العراقيون يولدون أفراداً ويموتون جماعات” كناية عن الموت الذي يفتح فمه فاغراً لمن بقي ولم يهاجر، هذا الموت يمتد ليسكن في لاوعي سلالة من رحلوا، متجسداً في المقبرة الافتراضية التي يبرمجها اسكندر ابن ابنة أخيها في باريس، تعبيراً عن أمنية بعيدة في أن يُجمع المشتتون ولو في مقبرة. حتى القبر عزيز في الوطن، لذا كان الحلم في مكان على شبكة عنكبوتية يضمهم موتى.
الاستعراض الذي يبذله أولو الأمر والكهنة في دول المنفى في استقبال الأقليات المهجرة بصفتهم حماة له باحتفال كرنفالي ما هو إلا تجميل لجريمة، وإخفاء لها، وتكريس للشرخ الطائفي بين أبناء الوطن الواحد، بوصفهم أعداء تجاه بعضهم البعض، لحرف الأنظار عمن موّل وغذّى وأنشأ الميول المتطرفة وساهم في تكريس التخلف والتشرذم من الفاسدين في داخل البلاد وخارجها، بإيحاء رمزي لافت عندما تصف اليد بأنها من الخزف الأبيض بيضاء وقاسية للبابا وللعينين الزجاجيتين الزرقاوين.  هو النفي والتهجير والحرب القاذفة في أتونها جميع الفئات والأعراق، أضاءتها الكاتبة بدقة احترافية في العراق لنرجع ونشاهد ذات السيناريو يتكرر في سورية حيث الذبح والخطف والقتل على الهوية. قليل من الذاكرة يرشد للمشكلة التي تتكرر وتُحصدنا المآسي باستمرار، وتقذف بالإنسان خارج مسارات حلمه ليعيش مستجدياً فضائل الآخرين وأرضه تمور بالخيرات.
تتنوع أصوات الساردين للحدث بين الطبيبة وابنتها وحفيدها بقالب أشبه بسيرة ذاتية موصوفة، وإن كان بنبرة متشابهة عبر تنقلات في الفضاء السردي بين ماض وواقع آني، ومستقبل في مقبرة مفتوحة عبر انفعال رافض للواقع ومجبر عليه بآن واحد، حيث الشخصيات تعكس ردود أفعال مباشرة حول حدث لا يمكن استمهاله.
المشهد الذي ترصده كجه جي في العراق سبق وتكرر في فلسطين بفعل عدو سافر، يتكرر اليوم في سورية. الحرب التي تقذف بأبنائها إلى بلاد الاغتراب والمنفى، غير أن الأمل بالعودة إلى الوطن هي الحلم الذي لايموت، تجسدت بإدراجها بداية لكلمات شاعر العراق بدر شاكر السياب وأنهي قراءتي بها:
“لو جئت في البلد الغريب/ ماكمل اللقاء/الملتقى بك والعراق على يدي/هو اللقاء”.
دعد ديب