ثقافة

جـــورج طرابيشــــي ورحيــــل العقلانيـــة العربيــــة

قام هذا الفيلسوف والمفكر السوري بترجمة أعمال أعظم كتاب وأدباء وفلاسفة الحداثة الأوروبية، من سارتر وغارودي وكازنتزاكس وخاصةً فرويد. فهو من عرّف القارئ العربي، بفضل تقنيته اللغوية- الألسنية العالية في الترجمة ومعرفته الأكاديمية الموسوعية، على اللاشعور والليبيدو الفرويديين، وعلى الوجودية كمذهب فلسفي عملي مضاد للمنظومات الفكرية البنيوية التي ترى بأن العالم هو عبارة عن مصفوفة قواعدية قادرة -إذا ما تم تفكيكها معرفياً- على الكشف عن ماهية الإنسان وعن ينبوع وعيه النفساني لما يدعى بـ”الميتافيزيقيا”.

منهجية التحليل النفسي
ما يميز طرابيشي هو تبنيه لمنهج التحليل النفسي الفرويدي لتفسير أهم الحقبات المظلمة في التاريخ العربي -الإسلامي والتي أدت في وقتنا الحاضر لتشكل وطناً عربياً في مجمله رجعي وممزق. فبالنسبة للمفكر السوري، سببان أساسيان أدياً لتبعثر وتحطم العقلية التقدمية للأنتلجاسيا العربية.. السبب الأول هو هزيمة العرب أمام إسرائيل فيما أصبح يعرف بنكسة عام 67، والتي تحولت، بحسب مفردات طرابيشي المستمدة من العلم السريري السيكولوجي، لجرح نرجسي دائم النزيف للأنا العربية. والسبب الثاني يأتي مكملاً للأول وغير منفصل عنه ويعمّده طرابيشي باسم الجرح الانتروبولوجي، حيث يختص به العالم العربي، خصوصاً الطبقة المثقفة والنخبوية منه، بعدما اكتشف وأدرك تأخره وتخلفه بالنسبة للعالم الغربي. فقد نجح الإنسان الأوروبي بتجاوز جرحه الأنتروبولوجي-الناتج عن اكتشافه لعدم مركزية الإنسان في الكون- عن طريق جعل الحضارة الغربية نقطة المركز الحضارية للإنسانية، في حين كان “كوبرنيكوس” العالم العربي هو الحضارة الغربية نفسها. ويفسر طرابيشي سيل الحبر والكتابات، السلبية والإيجابية منها، التي تناولت الغرب بـ”المرض بالغرب”، هذا المرض الذي أنتج أنتلجاسيا عربية مشوهة تريد لئم جراح الأنا العربية النازفة والمطعونة عن طريق العودة للخطاب التراثي السلفي التقليدي لتبرير فشل العملية الديالكتيكية التاريخية العربية وتوقفها عن العمل حتى وقتنا الحاضر. فمستخدم علم السيكولوجيا التاريخي لا ينفك بالتنديد بالخطاب التقليدي، الداعي للعودة للسلف الصالح، والذي تقيأ الأصولية الإسلامية بجميع تنوعاتها وتشعباتها وإفرازاتها. ولا يمكن هنا إلا التمويه للكم الكبير للحملات التكفيرية الداعية لمقاطعة كتب ونظريات طرابيشي بحجة تناوله سلباً لفكرة العودة للتراث كمعبد مقدس فيه يوجد سر بعث الأمة العربية والإسلامية.
عصاب عربي جماعي
انطلاقاً من التضخم السلبي للأنا العربية المجروحة ووصولاً للجرح الأنتروبولوجي- النرجسي بالإضافة للمرض بالغرب، يلاحظ طرابيشي وجود مرض نفسي أسماه بالعصاب العربي الجماعي متغلغل في المنظومة البنيوية الفكرية- الثقافية والسياسية في العالم العربي. ومن أعراض هذا العصاب هو استخدامه لآلية النكوص الخصائي للاختباء في ثنايا الأمجاد الماضية للحضارة العربية والإسلامية، وتجمده في تاريخية دائرية رواقية ورحمية أمومية لا تعترف بالعملية الأفقية التطورية، التي تتلاءم مع الواقع وتطابقه. فالمفهوم العصابي للتاريخ ينفصل عن الواقع ويدينه وذلك بسبب بشاعة هذا الواقع وخيبة الآمال التي يولدها. وهذا هو ما يحدث مع الأنتلجاسيا العربية التي تحولت في معظمها من كونها تقدمية قومية لأصولية سلفية إسلامية ترفض الاعتراف بفشلها وتقوم برفض التاريخية الواقعية لتتبنى الخطاب التراثي النقوصي الداعي لرفض كل ما هو علمي وتطوري وحداثي.

أوديبية الأصولية الإسلامية
ونتيجة تبني الأصولية الإسلامية- التي كانت سابقاً طبقة من التقدميين المثقفين العرب- خطاباً أمومياً تراثياً، رأى طرابيشي بأن عقدة قتل الأب متجذرة في البنية الفكرية العربية وهي السبب الرئيسي للتحول الرجعي-النكوصي نحو الأصولية الإسلامية. ولم يكتف الكاتب السوري في حصر استنتاجاته على ميكانيكية إنتاج الخطاب السياسي العربي، فقد قام بالكشف عن الأوديبية في لا شعور الروايات العربية الحديثة، وذلك في كتابيه شرق وغرب، رجولة وأنوثة وعقدة أوديب في الرواية العربية، مبيناً الهوس الإخصائي في الغرب الأبوي الذي قهر، بفضل تطوره المعرفي والتكنولوجي، ما بقي من حضارة العرب. وتشتد النبرة النقدية اللاسعة لطرابيشي عندما يرينا في كتابه المرض بالغرب كيف طعن أولاد الحضارة العربية ببطركهم (أبيهم) الرمزي جمال عبد الناصر، إثر نكسة عام 67، وكيف حاولوا جاهدين إيجاد رمزية أبوية أخرى قادرة على ملء فراغ العرش البطركي الناصري بالإضافة للرغبة الملحة لمحو آثار طعنة الخيانة الموجهة من قبل الأبناء الثائرين.
إن الطعن في البطركية التقدمية الناصرية هو الأساس في بزوغ الأصولية الإسلامية، بنظر طرابيشي، لأن الحركات والتيارات التقدمية العربية فشلت في إيجاد أب آخر قادر على استيعاب ثورة وخيانة الأبناء، الذين يريدون تبرير خسارتهم تجاه بكر الغرب المنتصر إسرائيل. وما إخوانية سيد قطب، التي تعد سلفية مبطنة، إلا تفسير مشوه للواقع يراد منه العودة لعباءة التراث الرحمي الأمومي من أجل إخفاء عقدة قتل الأب، وبالمصطلح السيكولوجي الفرويدي، من أجل طمس عقدة أوديب. فالأصولية الإسلامية هي في قمة الإفراز المرضي للعصاب الجماعي الأوديبي العربي.

العولمة
أكثر نقطة تتعرض للغط والالتباس في فكر جورج طرابيشي هو موقفه من العولمة. فليس هو بمؤيد أو معارض. ففي كتابه من النهضة إلى الردة، يمكن للعولمة أن تكون ذات طابع مفيد للعالم العربي، خصوصاً على صعيد التواصل والتكنولوجيا. فـ”ملايين العرب” القاطنين في أوروبا وأمريكا يمكن إعادة ربطهم بالميتروبول العربي وذلك عن طريق توظيف وسائل الاتصال الحديثة لخدمة مشاريع نهضوية عربية، مع تنديده في الوقت ذاته بما يدعوه بـ”التضخم الإيديولوجي” والذي يتمثل بجعل أي قضية تطورية في العالم ذات منحى مؤامراتي كالعولمة.
ولكن أكثر ما يثير ذعر طرابيشي هو توظيف الأصوليين الإسلاميين للتكنولوجيا المتطورة لنشر إيديولوجيتهم النكوصية وبث السلفية الجهادية. ويأتينا طرابيشي بأقاويل حية لداعية الإخوانية الإقصائية، القرضاوي يحث فيها على نشر “الدعوة الإسلامية” الإخوانية-السلفية بواسطة الإنترنت، أي استخدام الأداة التكنولوجية الغربية دون روحها لتوسيع نطاق السيطرة للخطاب الأصولي. ولا يسعنا هنا إلا التوقف عند نتائج هذا التوظيف لـ “الأداة لا الروح” التي خلقت أعنف وأوحش المنظمات الجهادية في العالم كالقاعدة وداعش، وبعبارة أخرى يبدو بأن نبوءة آخر العقلانيين العرب، جورج طرابيشي قد تحققت في أشنع صورها وأشدها قتامة. ولننتهي مع ما قاله الطبيب النفسي للحضارة العربية بصدد تفعيل الأداة التكنولوجية مع فصل روحها الحداثية بقوله، في كتابه من النهضة إلى الردة: “ومن هنا المنظور المعادي لأيديولوجيا الحداثة “الغربية و”التغريبية” معاً بحسب التوصيف الأصولي، فإن محاسن العولمة قد تتكافأ مع مساوئها. فقد تكون سلاح الشيطان، ولكن قد تكون سلاح الشيطان مردوداً إلى نحره. ومن هنا بعض الحيرة وبعض القلق، وربما بعض التناقض، في خطاب العولمة عند بعض الإسلاميين”.

فريد جنبرت