ثقافة

“زناة” رواية الحب والسياسة

كل من قرأ رواية سهيل الذيب “زناة” وصفها بالرواية الجريئة انطلاقاً من العنوان الصادم الذي حاول المؤلف من خلاله أن يقدم رؤيته لما يجري في بلده سورية، منذ عام 1967 وصولاً إلى الحرب التي تشن عليها اليوم.
تحتمل أكثر من قراءة
الرواية صادرة عن دار الشرق للطباعة والنشر كانت موضوعاً للندوة النقدية التي أقيمت مؤخراً في ثقافي أشرفية صحنايا والتي بدأها الروائي والناقد محمد الحفري بقوله: “زناة” رواية تحرك المواجع وتستحث شهوة القراءة والاكتشاف، وتفتح باب الأسئلة المحيّرة والمشروعة الجريئة التي لا تنتهي ولا تتوقف، تناوب فيها السرد ليكون على مستويات مختلفة. ودخل الحفري في تفاصيل الرواية الدقيقة، وقدّم  قراءة لعدد من شخصيات الرواية، ومنها شخصية إبراهيم المركبّة التي أبدع الكاتب في رسمها. كما أنه صوّر بعدسته وبتقنية شبه سينمائية عدة حالات منها حالة إبراهيم وسارية. ولفت الحفري إلى أن الروائي فتح زمنه في البداية ثم عاد ليضغطه في النهاية، وما نعتبره الآن نقصاً في التحدث عن الراهن وعدم اكتمال بعض القصص قد يشكل أفقاً يكتب عنه الروائي في المستقبل. وختم الحفري مؤكداً أن رواية زناة تكاد تكون مكتملة، أبدع صاحبها في تصوير الزمان والمكان والحدث والشخصيات، وهي تحتاج الكثير من الاهتمام والدراسة كما أنها تحتمل أكثر من قراءة.
مزج بين الحقيقة والخيال
وقدم  د. ممدوح أبو الوي قراءة شاملة لمعظم أحداث الرواية التي تمزج بين الحقائق التاريخية والأحداث التي نسجها الروائي من خياله،  فالأحداث تجري في “أم الحيات” إحدى قرى محافظة السويداء والتي أصبحت “أم الحياة” في نهاية الرواية بعد أن منحتها الدولة هذا الاسم تكريماً للشهداء الذين قدمتهم من أبنائها، فالشخصية الأساسية في الرواية، شخصية إبراهيم أبو ضرغام طالب الثانوية الذي حصل على الشهادة عام 1967 وفي القرية بدأت علاقته بسارية شقيقة صديقه،  ليسافر فيما بعد إلى دمشق بهدف الدراسة والعمل. تتعدد هناك علاقاته مع النساء وبعد فصله من العمل يسافر إلى بيروت ليعمل في إحدى الحانات الليلية، ويصف ما يعيشه رواد الحانة من فواحش دون خجل وفي أثناء الحرب الأهلية في لبنان يتعرض للخطف ويدفع فدية كبيرة ليصبح فيما بعد رساماً وتاجر لوحات. توقف أبو الوي عند الكثير من التفاصيل والأحداث في الرواية حتى وصل إلى زمن الرواية والذي يبدأ من أحداث 1967 وينتهي عام 2020 من هنا اعتبر أن الرواية تتصف بصفات بعض الروايات التاريخية، وهي تبدأ بنكسة حزيران ومأساة العرب عموماً لاسيما مأساة النازحين، كما تتحدث عن حرب تشرين 1973 وهزيمة العدو الإسرائيلي، مروراً بالكثير من الأحداث كمجزرة طلاب مدرسة المدفعية في حلب على يد الأخوان المسلمين وحادثة الأزبكية في دمشق والتي ذهب ضحيتها الكثير من أبناء الوطن، كذلك جسد الروائي الأحداث التي عصفت بالوطن العربي منذ عام 2011 والتي بدأت في تونس وانتقلت إلى ليبيا ومصر وسورية.
زمن استشرافي
وفي مشاركته وصف الروائي أحمد العبد الله الرواية بالجريئة، استشف الكاتب فيها ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في البلاد السورية، فـ “أم الحيّات” هي مكان تتحرك وتتنقل فيه شخوص الرواية على سجيتها بما تحمل من بؤس وفقر وجهل وأمراض اجتماعية، والعنوان كما يؤكد العبد الله صادم يدفع للحيرة والبحث عما خفي وراء عتبة النص، وما يلفت النظر في الرواية أن المكان لا يبقى في “أم الحيّات” منغلقاً على نفسه ولا على أبطال روايته، بل يتعداه ليصل إلى معظم الريف السوري حيث أن “أم الحيات” هي أي قرية في الريف السوري عام 1967 ومعركتها التي حدثت بين سكانها هي المعركة ذاتها التي حدثت بين سكان تلك القرى، والأمر الملفت كما يرى العبد الله أن الروائي أمسك بخيوط زمن روايته بحرفية ولم تنفلت من بين أصابعه حتى أوصلنا إلى عام 2020 حيث الزمن الاستشرافي، كما قفز الراوي قفزات تناوبت على السرد، فالوقائع التي يفترض أنها جرت في أشهر أو سنوات في أسطر، بينما أيام قلائل أخذت منه صفحات، والرواية لم تأت من فراغ بل اتكأت على تنوع وتداخل العلاقات الاجتماعية بين شخوصها، وقد نذرت نفسها لتصوير ما يدور بينهم في “أم الحيّات” من عجائب وحب ومغامرات وسخرية وتعب وفقر وجهل، وكل ذلك من خلال عائلة أبي ماجد الفلاح الفقير وكل شخصية ظهرت في الرواية كانت امتداد زمني ومكاني في آن معاً. ووقف العبد الله عند بعض الملاحظات منها أن الكاتب أسهب في ثلاث صفحات بالعامية بحديث كان السرد به أحق كما لجأ إلى بعض التنظير والتقريرية في أكثر من موقع، لم يتجاوز أصابع اليد، كما ظهرت نزعته نحو الكتابة الصحفية وهو يفضح منتفعين بعينهم.

جلال نديم صالح