ثقافة

دُخان الجوائز العالمية.. ونارها أحمد زويل الحائز نوبل للكيمياء

لم تشفع له وصيته الأخيرة التي نُشرت فور إعلان نبأ الوفاة؛ وعبارات مثل: “ادفنوني في مصر، واهتموا بمشروعي في مدينة زويل” فقد قرأها البعض ممن يعرفُ ما يرقد تحت الرماد الخامد، نوعاً من إقرار بالذنب لم يتح المرض الخبيث الاعتذار عنه، أو أنه لم يكن في نية الاعتذار، بينما ذهب البعض إلى التشكيك بالوفاة الطبيعية، ذلك أن المعروف أن سياسة أمريكا في تبني العلماء غالباً ما تنتهي بما يخدم مصالحها، من خلال نهايات مأساوية مدبرة حرصاً على دفن الأسرار العلمية مع أصحابها.

المنجز العلمي
أحمد زويل العالم المصري والعربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل في واحدة من المجالات العلمية الهامة، وقد اعتبر يومها أسطورة من أساطير العلوم العالمية؛ نظراً للأبحاث والإنجازات التي عمل عليها في مجال العلوم الفيزيائية والكيميائية، والتي كانت المدخل إلى أحدث ثورة علمية حقيقية؛ تحديداً تلك التي تتعلق بكيمياء “الفيمتو”، ومن خلال ابتكاره ميكروسكوباً يعمل على الليزر، قادر على رصد حركة الجزيئات الكيميائية خلال مرحلة نشوئها والتحامها، وتتميز بالوحدة الزمنية التي يتم خلالها التقاط الصورة وتدعى “الفيمتو ثانية” وهي ما تساوي جزءاً واحداً من مليون مليار جزء من الثانية.

سيرة حياة
هذا المنجز العلمي الهام بالطبع لم يكن وليد صدفة أو ضربة من الحظ، إنما وبالتأكيد هو نتاج منطقي لمسيرة طويلة من العمل والكفاح -كما جاء على لسانه في كتابه “عصر العلم”- بدأت من مدينته دمنهور حيث ولد في العام  1946 ودرس في مدارسها الحكومية، وحيث رشحته فيما بعد درجاته العالية في المواد العلمية الفيزياء، الكيمياء والرياضيات للالتحاق بكلية العلوم في جامعة الإسكندرية، ليتخرج منها بدرجة شرف أهلّته للتدريس فيها، لكنه اعتبر أن العمل فيها لا يفتح له آفاق البحث المنشود الذي يحقق طموحه العلمي الذي بدأ التخطيط له، فبدأ يجمع المعلومات عن سبل الانطلاق إلى الخارج، حيث الجامعات الأميركية التي تمكّنه من متابعة أبحاثه، وفي جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا بدأت مسيرة حياته العلمية تأخذ المسار المنشود، وبات ملحوظاً من قبل أساتذته المشرفين الذين بدؤوا بالطبع عملية إدارة دفة حياته بشكل مدروس، فحصل على الدكتوراه في علوم الليزر في العام 1974، وتلقى العديد من عروض العمل في عدد من الجامعات الهامة.
بدأ العمل كباحث في جامعة كاليفورنيا، لينتقل بعد عامين للعمل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا “كالتك” والتي تعد من أكبر المراكز الأميركية العلمية في مجال البحوث، حيث بدأ العالم مرحلة جديدة مختلفة من حياته، يقول: “كانت مهمتي العلمية في جامعة “كالتك” محددة، فقد كنت أعمل داخل الأشياء الصغيرة جداً؛ داخل الذرة؛ وداخل الثانية، كان عملي يقع مكاناً في قلب الذرات حيث التحام أو انفصال الجزيئات، كما كان يقع زماناً في داخل الثانية حيث تصبح الثانية زمنياً؛ وهنا بالضبط كان أساس تقدير القائمين على جائزة نوبل لما فعلناه وأنجزناه والتقويم الزمني الجديد «الفمتو ثانية» هو الذي فتح أبواب عالم المادة وديناميكيتها على مصراعيه، فكما نرى الكواكب تدور بالتقويم الشمس نرى الذرات تدور بتقويم الفمتو ثانية، ولهذا الفتح تأثير علمي أدى إلى الحصول على جائزة نوبل”.
في العام 1982 مُنح الجنسية الأميركية، لتُفتح الأبواب أمامه بالتدرج في المناصب العلمية حتى أصبح أستاذاً رئيسياً في الكيمياء خلفاً للعالم “لينوس باولنغ” الحاصل على جائزتي نوبل للكيمياء والسلام العالمي.

الطريق إلى الجوائز
“عصر العلم” هو واحد من عدد من المنشورات التي قدمها زويل باللغة العربية إلى جانب “رحلة عبر الزمن، في الطريق إلى نوبل” وحوار الحضارات آخر أعماله باللغة العربية بالإضافة إلى عدد من الكتب المتعلقة بأبحاثه العلمية باللغة الإنكليزية.
بالإضافة إلى نوبل نال العديد من الجوائز تجاوزت الـ31 جائزة عالمية من بينها جائزة “وولف برايز” والتي قدمها له كيان العدو في العام 1993، وهي أعلى جائزة علمية لديها، ذلك بعد زيارة تعاون وتبادل خبرات له إلى الأرض المحتلة “دفعت الإسرائيليين لنعيه كبطل مخلص” والتي لابد أنها تفسّر نوعاً ما الاعتبارات التي وقفت خلف نيله نوبل “ولا براءة لجائزة عالمية” وأيضاً تشرح معنى أن يكون العربي عقلانياً؛ إذ اختاره الرئيس الأميركي أوباما واحداً من ضمن العديد في مجلسه الاستشاري؛ كونه: “يمثل صوت العقل في الشرق الأوسط” وربما يشرح ما ورد في كتاب زويل “عصر العلم” في جزئه الأخير الذي ضم إلى عدد من محاضراته العلمية التي ألقاها خلال جولاته العلمية، حواراً قدّم فيه رؤيته ووجهة نظره فيما يستلزم مصر والعالم العربي ليصبح في عداد العالم المتحضر والناهض من غفوته، والتي يجب أن تعتمد محاوراً في الثقافة والاقتصاد والسياسة بالإضافة إلى تطوير التعليم، الوسيلة لرفع كفاءة الفرد ودفع الإعلام بالتالي إلى مستوى خطابي عالٍ ومختلف، بينما ركز على دور الثقافة في بناء العقل وترميم الضمير العربي، والحرية السياسية باتجاه الديمقراطية التي لطالما نشدتها لنا دول الغرب، والتي تقف اليوم خلف كل فصول الحرائق التي تتعاقب على بلداننا الواحد تلو الآخر، وهنا لا بد أن يصاب المرء منا بلوثة في العقل، أو أن عليه إعادة بناء معارفه ومداركه بتعاريف جديدة؛ بعيداً عن كل ما تعلّمناه عبر الأجيال لمعاني النهضة والضمير وبناء العقل.
بشرى الحكيم