ثقافة

بعد طول غياب .. “أحلام الصعاليك” تعيد فنانين كباراً إلى خشبة المسرح

لم يعُد الفنان محمد الطيب بعد طول غياب لوحده إلى خشبة المسرح من خلال مسرحية “أحلام الصعاليك” التي انتهت عروضها مؤخراً على خشبة مسرح القباني وهو الذي تجاوز الثمانين من العمر، بل نجح كمخرج للعمل في أن يعيد مجموعة من فناني المسرح إلى خشبته بعد انقطاع طويل عنها، أمثال اسكندر عزيز وهاني شاهين ومازن لطفي ويبيّن الطيب في تصريح لـ “البعث” أنه عندما عرض العمل عليهم وافق الجميع بلاد تردد، كيف لا وهم بالأصل عشاق مسرح؟ وما ميّزهم انضباطهم وانسجامهم مع ملاحظاته لهم كمخرج، والتزامهم، وكان كل ممثل منهم في مكانه المناسب.. وليبقى السؤال: ماالذي أغراهم -والطيب في مقدمتهم- للعودة إلى المسرح في الوقت الذي يشهد فيه هجرة معاكسة باتجاه التلفزيون؟ وأي إحساس انتابهم وهم يقفون بعد غياب ليس بقصير وفي سن يتردد فيه كثيرون في العمل فيه؟.

حضور الروح
يقول الطيب بدايةً أنه ينتمي لجيل المسرح الذي عشق أبا الفنون، وعشقه للمسرح يدفعه دوماً للتوجه إليه، خاصة وأنه ينتمي للعهد الذهبي له، ولذلك عندما اعتلى الخشبة ممثلاً بعد غياب أكثر من عشرين عاماً غاب الجسد وحضرت الروح التوّاقة لهذا الفن، ولذلك لم يشعر إلا أنه يؤدي شخصيته كما هو مرسوم لها، موضحاً أن دور شالحة لم يكن من المقرر أن يقوم به، إذ كان من المفترض أن يؤديه الفنان داوود شامي الذي دخل المستشفى لإجراء عمل جراحي قبل العرض بأيام قليلة، وكمخرج كان لا بد له من أن يجد حلّاً سريعاً بأن يؤديها هو. وفي أول يوم اعتلى فيه الخشبة بعد فراق دام عشرين عاماً يبيّن الطيب أنه نسي نفسه كمحمد الطيب وترك شخصيته هي التي تتصرف على طبيعتها.
ورداً على من يقول أن المسرح بحاجة للشباب للوقوف على خشبته يؤكد الطيب أن العمر لا علاقة له بالعمل في المسرح، خاصة وأن شخصيات معظم الأعمال المسرحية تتطلب وجود كل الأعمار، فإن غاب الكبار من سيؤدي هذه الأدوار؟. مذكِّراً أن موليير مات وهو على خشبة المسرح، وهو مؤمن بأنه لا يوجد تقاعد في المسرح لأن العمل فيه عشق، ويأسف الطيب أن الفن تحول إلى مهنة لكسب المال، ويسعد الطيب كمخرج وممثل في “أحلام الصعاليك” أنه شاهد نفسه بعيون الجمهور الذين أعجبوا بشخصية “شالحة” التي أثّرت عليهم.

الهروب خيانة وخطيئة
بلغة شاعرية جداً يقول الفنان اسكندر عزيز بعد عودته لخشبة المسرح من خلال “أحلام الصعاليك” بأنه شعر وهو على خشبة المسرح كأنه عريس تأبّط عروسه وأبحر بها في زورق مزركش جميل، ثم عادا ليسيرا على أعشاب غابة خضراء وجلسا بجانب ساقية ماء عذب رقراق ابتلعا منها الماء الكثير، واستلقيا على ظهريهما يشكران الله على لقائهما الجديد.
ويأسف عزيز لأنه لا مغريات اليوم للوقوف على خشبة المسرح، فلا هو قادر على أن يسد رمق الممثل، أو على الأقل أن يغطي مصروف تنقلاته، ولا لديه القوة لأن يجلب له الشهرة، في الوقت الذي من أجل هذين السببين يعمل كل ممثل، وهو برأي عزيز حق مشروع، ومع ذلك يؤكد أنه يسعى وبلهفة لكي يمتطي صهوة جواد الفارس الأول في المسرح وهو المؤلف، أي أن يمتطي حكاية المسرحية ومقولتها الفكرية ليكون هو كممثل الفارس الثاني في المسرح، ليسابق الريح ويلفح وجه الفارس الثالث وهو الجمهور، الذي يحضر ليكرّم المسرحيين بمشاهدته والاستماع إليه، معترفاً بأن لا شيء كان يغريه للعودة إلى المسرح سوى رغبته في أن يعتلي خشبة المسرح، وأن يتلقى ردود فعل المتفرج واستحسانه، أو حتى استهجانه بدقائق اللقاء المباشر.
ويستغرب عزيز -وهو الذي تجاوز سن السبعين- ابتعاد بعض المسرحيين عن المسرح بحجة التقدم بالعمر، ويرى أن ذلك خطيئة لا تغتفر، حيث لا شيء يبرر ابتعاد الممثل عن خشبة المسرح، أما عجزه غير المعروف والمعلوم للآخرين أو لهاثه وراء المادة وتفضيلها على الوقوف على خشبة المسرح، فهو دون أدنى شك مشروع، فالسعي للحصول على الشهرة والمال هو حق كل ممثل، ومنهم هو ولكن شرط أن يكون انتزاعهما على أرضية نظيفة.
ويختم عزيز أن المسرح هو الشجرة المضيئة والمزركشة في حياة كل ممثل، وغير ذلك هو هراء، معتبراً الهروب منه خيانة وخطيئة فادحة لا تغتفر إلا بالعمل في المسرح.

العودة لما أحببت
والذي أغراه للعودة للمسرح هو حبه الشديد له، فهو الذي بدأ به وأوصله إلى ما وصل إليه الآن، أما آخر مسرحية قدمها الفنان هاني شاهين قبل “أحلام الصعاليك” فهي مسرحية “طاسه طرنطاسة” عام 2008 على مسرح سينما السفراء، ومنذ ذلك الوقت وهو يسعى للعودة للمسرح دون جدوى إلى أن عرض عليه المخرج الفنان  محمد الطيب مشاركته في مسرحية “أحلام الصعاليك” وحينها بدأ يتنفس الصعداء وأحس بأنه عائد إلى خشبته التي ما أحب شيئاً مثلها، وليس سراً أن يعترف أن المسرحية القادمة له قريبة ومع نفس الفرقة، منوهاً إلى أن السن لا يمكن أن يبعده عن المسرح، فها هو بعمر الخامسة والسبعين من العمر ويعاني ما يعانيه من تدهور في صحته يقف على خشبته، ويكابر ويجاهد ليتمكن من الوقوف بثبات وأن يؤدي دوره كما لم يقدمه في السابق، فقد كان سعيداً بعودته إليه، منوهاً إلى أن التلفزيون وإغراءات المال والشهرة هما اللذان سحبا البساط من تحت خشبة المسرح، وهو لا يلوم أحداً، فإيراد المسرح لمدة شهر كامل لا يوازي أجر حلقة واحدة من أي مسلسل تلفزيوني.
وبالعودة لبدايات شاهين يوضح أنه بدأ حياته الفنية على المسرح المدرسيّ وقدم عدة مسرحيات عندما كان في المرحلة الإعدادية، منها مقاطع من مسرحية “يوليوس قيصر” باللغة الانكليزية، ثم بدأ مع فرقة الأخوة قنوع من عام 1972 وشارك بأكثر من 20 مسرحية، وفي عام 1983 شارك الفنان محمود جبر في أعماله المسرحية مثل: “ربّوا واتعبوا- أبو الفوارس–1+1=3- يا غافل الك الله- مطلوب كذاب-سجين بالأجرة” وجميعها من إخراج الفنان طلحت حمدي الذي اشترك معه بعدة مسرحيات منها: “أول فواكه الشام يا فانتوم- طرّة ولا نقش” منوهاً إلى مشاركته مع فؤاد المهندس وشويكار في مسرحية “نجمة الفاتنة” التي قدمت على مسرح مدينة معرض دمشق الدولي عام 1972 وكذلك مشاركته مع  فرقة إسماعيل ياسين بمسرحيتين قدمتا على مسرح الحمراء مع فريد شوقي وإسعاد يونس.. هذا بالنسبة لمسرح القطاع الخاص، أما مسرح القطاع العام-المسرح القومي فقد شارك بعدة مسرحيات منها “تلميذ الشيطان” عام 1963على مسرح القباني من تأليف جورج برنارد شو وإخراج محمد الطيب، وعلى مسرح الحمراء مسرحية زواج فيجارو (حلاق اشبيليه معرّبة) تأليف بومارشيه وإخراج محمد الطيب عام 1966 وفي عام 1967 شارك بمسرحية “المأساة المتفائلة” على مسرح الحمراء وكانت من تأليف الكاتب السوفييتي الكبير فيشنيفسكي وإخراج علي عقله عرسان.

المسرح كالهواء
أما الفنان مازن لطفي فيبيّن أن عودته للمسرح كانت كعودة الطفل الذي عاد لحضن أمه لأن المسرح بالنسبة له كالهواء الذي يتنشقه، وابتعاده عنه لم يكن مقصوداً لكن ظروف عمله في الإذاعة كمخرج جعلته يتفرغ لها، وهذا أثّر سلباً علی عمله كممثل في التلفزيون وأصبح خارج حديقة الدراما التلفزيونية ولم يعد اسمه مطلوباً كممثل، علما أنه كان من الممثلين الأوائل خلال فتره السبعينيات.
بكل الأحوال يعترف لطفي بأن لديه اليوم رغبة شديدة للوقوف على خشبة المسرح، والعودة كانت من خلال “أحلام الصعاليك” ولاحقاً ستكون -إن سمحت الظروف- بعمل مسرحي من تأليفه وإخراجه، مبيناً أن المسرح دائماً مغرٍ للفنان الموهوب الذي تربی عليه ونام خلف كواليسه سنوات، وهو عمل في المسرح القومي والقطاع الخاص لمدة ٢٥ سنة، وعمل أيضاً في لبنان في مسرح يومي لمده ثلاث سنوات، ولديه اليوم ألبوم صور قديم يوثق فيه مئات الصور لأعماله المسرحية، منوهاً إلى أنه عمل مع فرقة الفنان اللبناني شوشو موسماً واحداً، وفي مسرح دبابيس لمدة ١٢ سنة بدمشق.
ولأن المسرح دائم الحياة ويحتاج لكل الأعمار لا يرى لطفي تبريراً لابتعاده عنه لمجرد أنه كبر في السن، فالممثل المخضرم برأيه يستطيع أن يرقص ويتفاعل مع النص، ولا ينكر لطفي أن دوره في “أحلام الصعاليك” صغير قياساً مع الشخصيات الأخرى، لكن إصرار الفنان محمد الطيب جعله يقبل، حيث قناعته بأنه لا يوجد في قاموس المسرح دور كبير أو صغير، بل يوجد ممثل كبير أو صغير، والمهم أن يتقبل الجمهور هذا الممثل أو ذاك وأن يكون ظله خفيفاً عليهم.
ويذكر لطفي أنه عمل منذ أربعين عاماً مع محمد الطيب في مسرحية “تلميذ الشيطان” للكاتب الساخر برنارد شو، والآن عاد بعد أربعين عاماً ليعمل معه من جديد، ويوجه له تحية على تصميمه علی تقديم هذا العرض ولكل زملائه المشاركين في “أحلام الصعاليك”.
أمينة عباس