ثقافة

صباحهــــا من خبـــــز وياسميــــــن

مدينة تعيش بغريزتها كالأطفال.. شاء لها أن تكون مفتوحة على العالم كله، مع أنها لا تملك أي باب كباقي رفيقاتها من المدن.. بالأصل هي عبارة عن نافذة مشرعة للسهر والشقى والريح.. تأكل من حشاش قلبها وقلب أبنائها إذا ما جاعت..!!
لم تكن تربطني بها أي علاقة سوى أنني على قيد بحرها مذ أتيت إلى هذه الدنيا بلا أي خيار.. في طريق الإنسان للنضج قد يتخلص من أشياء غير مأسوف عليها، وقد يتمسك بأشياء أخرى لم تكن يوما في الحسبان، أحياناً للعمر دوره وللبيئة دور آخر وللقلب أدوار وأدوار.. أما للمرض فله المسرح بكامله في ذلك.. فذات مرض أقعدني في الفراش لعدة أيام، كانت أغنى الأوقات وأكثرها حرية وتحرراً من الزمان والمكان والعقلانية هي ساعات الحمى.. شعور بالنشوة والتحليق والصدق كيف لا أدري، حيث يكون جلّ همك أن تعود للحياة ومعك حواسك الخمس، مفاتيحك التي تفتح لك أبواب العالم كله، وبلحظة صدق ما أجمل أن تشعر بأن العالم جميل وأنك تحبه للمرة الأولى رغم قساوة الانعتاق.. من المرض خرجت أتلمس معالم هذه المدينة وكأني أراها للمرة الأولى وأرى أرضها كيف تغتسل بالشمس كل صباح..
اللاذقية مدينة فاتنة مغرية إن جالت في خاطر المرء، هي دائما كعشيقة جميلة متقلبة المزاج.. لكنها تعرف كيف تلبس وكيف تتعرى.. كيف تسلّم نفسها وكيف تخون.. ما يحرك أوقاتها ويأخذنا معها من مكان لمكان ليس الحب والكراهية، بل المرح، فهو الدافع الأساسي لكل تحركاتها الطبيعية والمشبوهة.
هي لا تمشي بل ترقص.. لا تنادي بل تغني.. من فرط غنجها تأتي بكل الفصول في يوم حب واحد.. إن أرادت المطر يبللها والشمس تدفئها، والثلج يدفع عمره لكي يزورها  فينتحر هناك على قمم الجبال.
أجمل ما فيها على الإطلاق صدقها، فليس لديها ما تخفيه.. واضحة.. قلبها أبيض كبياض زهر ليمونها وقوي كصلابة شجر زيتونها..
إن أردت ورضيت تستمتع بالحياة بهذه المدينة الضاحكة رغما عن أنف الحرب ومرارة الفقد التي عانت منه فعمر الألم بلغ سنواته السبع..
يزورها الضوء فيدخلها من كل الجهات، وعبير أرضها وأحاديث الناس البسطاء تأخذك إلى أعمق وأعذب مكان في الذاكرة.. كنت حين أجلس في أي مكان أغمض عينيّ كي أصغي لصخب عالمها الذي يبدو مثل خلية نحل تعج بالعاملات واليعاسيب والعسل..
إنها لغز حقيقي، وعلى الرغم من أن أنهار وينابيع الأرض تصب فيها، إلا أن روحها تظل فارغة عطشى، وتبرر أي ندم بأنها تفعل الخير وترميه في بحرها.. وكم من خيرات رميت في ذاك الأزرق، فهي لا تمون إلا على مياهه رغم ملوحتها..
هو بحرها الحاضن لخصرها، المتكئ على كتفها من:  “عمر فيّ العشب ع الحيطان”.. تشكيه همها فيغمرها كالعادة بحنان وحنين أمواجه ترضى فيرضى على مر الزمان..
لينا أحمد نبيعة