ثقافة

في مسرحية “الوصية” د. حسن دروبي شاهد حقيقي علىالحصار والخطف

المخرج ممدوح الأطرش الذي أخذ دور السارد التوثيقي لأحداث الهجوم وحصار مدينة عدرا العمالية، أنهى مسرحيته – الوصية، المسرح القومي، على خشبة مسرح الحمرا- بعودة الجيش العربي السوري “إلى المدينة” وجّه رسالة إلى جمهوره بأن ينهوا بأنفسهم المسرحية ويعرفوا أبعادها، لتصل الوصية التي طالت مناحي متعددة أهمها الاهتمام بأطفال سورية إلى كل مواطن سوري شريف دافع عن جذوره، ولتكون وثيقة تاريخية على المجزرة، حيث عانى أهالي المدينة الذين يمثلون مختلف الانتماءات والأطياف من الذبح على الهوية، ولم تحمهم الأقبية من الرمي بالرصاص وقطع الرؤوس والجلد والاختطاف.
وثّق الأطرش أحداث المسرحية بعرض صور توثيقية عن الخراب الذي حلً بالمدينة، وعن حالات الهلع التي أصابت السكان إلى اللحظات المؤثرة لعودة الجيش العربي السوري، كما استُمدت أحداث المسرحية من أشخاص واقعيين عاشوا تجربة الحصار مثل كاتب المسرحية فيصل الراشد وابنته، وحسين غنوم مدير الأفران المطلوب من المسلحين بذريعة تعاونه مع النظام، وكان له دور مؤثر في المسرحية لاسيما حينما تحدث عن جريمة حرق المسلحين العمال داخل الأفران التي عملوا ليل نهار فيها لتأمين رغيف الخبز لجميع أبناء سورية بعيداً عن الانتماءات والأديان.
دعم الأطرش أحداث المسرحية بالمؤثرات الفنية لتبدو مشهدية مسرحية تعبيرية مكوّنة من فواصل لوحات تعبيرية راقصة، لترتبط كل رقصة بسينوغرافيا معينة وبحدث ضمن التصاعد الدرامي، وتميّز العرض بشكل خاص بالموسيقا التصويرية التي ألّفها رامي الضللي واعتمد في مواضع على الإيقاع الصاخب المتأجج لاسيما في مشاهد الهجوم وإطلاق الرصاص والقذائف، ليتقابل هذا المسار الموسيقي مع نغمات العود والكمان والغيتار والناي، الذي كان له حضور إفرادي في أحد مشاهد الاستحضار السردي. والأمر اللافت أن العازفين شغلوا زاوية من المسرح ليكونوا أبطالاً مع الممثلين.

روح التحدي والصمود
جسدت الممثلة مروة الأطرش دوراً محورياً في نشر روح الصمود والتحدي في وجه داعش والمسلحين، ونجحت بتقديم كاركتر جديد، فوصفت تجربتها مع “نوف” بالصعبة لاسيما أنها وقفت أمام والدها المخرج، وتطلبت الشخصية التي تمثل العشائر السورية بحركاتها وأزيائها إتقان المنطوق بدقة، فـ “نوف” ليست كاركتراً افتراضياً مصنوعاً من الخيال، إنما من مناطق سورية، عاشت تجربة الحصار وعبّرت عن مشاعرها بتداعيات، كونها تعرضت لآلام فقد أمها أمام عينها، واستشهد زوجها خلف- سليمان قطان- الذي كان له دور مركب بقناص المسلحين. وعن رأيها بالوصية إذا وصلت إلى الجمهور تابعت: من خلال تفاعل الجمهور مع رؤية المخرج كاملة لتوثيق حالة حصار المدينة أعتقد أنها وصلت وحملت رسالة أهالي عدرا.
يمسّ كل السوريين
وكان للممثلة رؤى البدعيش دور إيجابي إذ واجهت الموقف بشجاعة لاسيما أنها مسيحية، وحاولت الحدّ من هرب زوجها من الشام إلى التل إلى عدرا خوفاً من طلبه للاحتياط والعودة إلى خدمة العلم، فتحدثت عن عليا زوجة ماهر خريجة فلسفة عاشت هذه الأوضاع القاسية سابقاً في منطقة التل، لتواجهها ثانية في مدينة عدرا العمالية، فحاولت أن تكون متماسكة، وتابعت بأن العمل يمسّ كل السوريين تبنى توثيق هجوم المسلحين على عدرا ومحاصرتها، والصعوبة بأن ننجح بإيصال صوت الحقيقة إلى الناس بتضافر كل العناصر، بالكاركترات الشخصية، بالأداء التمثيلي، بالمؤثرات الفنية والصوتية، والموسيقا التصويرية التي تعدّ عنصراً هاماً  تساهم برفع سوية العمل أو هبوطه، وبرأيي تميّز العمل بالموسيقا والراقصين.

أحلام تنكسر
الممثلة غرام العلي أيضاً جسدت دور مرح الفتاة الشابة التي قُتلت أمها وبقيت في القبو مع والدها، مرح عاشت تجربة الحصار والفقد والقلق على خطيبها المجند في الجيش العربي السوري، فعلقت بأن الفتاة مرح تعبّر عن جيل الشباب الذي يتابع دراسته الجامعية ويؤسس حياته، الجيل الذي عاش الأزمة وتكسرت أحلامه، والوصية تعبّر عن سورية بكل جغرافيتها، لاسيما أنها بُنيت على حدث واقعي وصوّرت أشخاصاً واقعيين حتى بأسمائهم مثل حسين غنوم مدير الأفران، فيصل الراشد الكاتب وابنته، وعن تداخل لوحات الرقص مع التمثيل والموسيقا أضافت بأن المسرح فنّ تعبيري يجمع بين كل الفنون للتعبير عن الأحداث، وقد ارتبطت كل رقصة بموسيقاها وحركاتها مع حدث معين.

مأساة عشناها
وكانت لنا وقفة مع شاهد عيان حيّ هو د. المهندس حسن دروبي الذي عاش تجربة الحصار ليصبح بين الرهائن المخطوفين الذين اقتادهم المسلحون إلى دوما ليعملوا بحفر الأنفاق وعانى من التعذيب طيلة سنة وشهرين إلى أن أُفرج عنه بعد مفاوضات، فتحدث بتأثر شديد عن المسرحية ككل التي لامست ذاكرته ووصفها بأنها لوحة رائعة عبّرت عن جزء مما حدث على أرض الواقع في مدينة عدرا العمالية، وقد أستطاع المخرج ممدوح الأطرش أن يجسد بشفافية معاناة خوف أهالي عدرا وقلقهم سواء الذين استطاعوا الخروج بعد عشرين يوماً، أو الذين بقوا مع المخطوفين باتجاه دوما –وأنا منهم- ورغم تحريري بفضل الحكومة مازلت أشعر بأسى كبير، وأنا أتذكر الأشخاص الذين ماتوا أمام أعيننا، والأشخاص الذين مازالوا مخطوفين، عشنا مأساة من جميع الأجيال حتى الرضع الذين وُلدوا في هذه الأوضاع، كنتُ أعمل أعمالاً شاقة بحفر الأنفاق طيلة أربع عشرة ساعة دون رحمة وذقنا أنواعاً مختلفة للتعذيب، وبرأيي إن هذه المسرحية كانت وثيقة تاريخية بيّنت ماذا حدث، وتنسحب على كثير من مناطق سورية تعرضت للأوضاع ذاتها.

ملده شويكاني