ثقافة

“الحلوة” رواية النايات المنكسرة من فرط القهر

رواية الحلوة للأديب وارد بدر السالم, الصادرة حديثا عن دار نينوى بدمشق، هي رواية تنتمي لما يسمى بتيار الحداثة الأدبية ومابعد الحداثة, والتي فيها الكثير من التحديث البنيوي والحداثة المتقدمة,تحديث على مستوى السرد (سرد الغائب, سرد المتكلّم, وسرد المخاطَب, وسرد الأصوات المتعدّدة ودلالاتها المعبرة).
في رواية “الحلوة” سنجد أن العنوان هنا ليس عتبة دالة للولوج إلى النص الروائي, كما جرت العادة في الكثير من الإصدارات الأدبية، لكن العنوان ستكون له دلالة أكثر وضوحا حين ننهي الصفحة الأخيرة  354 سنقول حقا: “إن رواية الحلوة حقا حلوة”.
إذا ماعدنا إلى السرد في الرواية سنجد العديد من ضمائر السرد, لكننا سنجد أيضاً, أن السرد بضمير المتكلم هو الطاغي على الكثير من مفاصل متتاليات السرد في الزمن الروائي يتتالى عبر ضمير المتكلم على لسان (ريحانة– الحلوة) ولسان خالها (طارق– مارك) تقول الحلوة: “أنا الحلوة.. هكذا يسمونني, متناسين ريحانة التي كنتها فتوارى اسمي خلف هذه الصفة التي بدت كأنها واقع لامفرّ منه, لأمتثل له مع مرور الوقت بمرافقة رائحة سحرية يشمّها الجميع ويدورون حول أطيافها كما النّحل حين يذوبه رحيق الأزهار. كنت اعتقد أنّ كل بنت (حلوة) لها جمال مختلف, ولون مختلف, وصوت مختلف, وجسد مختلف, وأن لها عينين غجريتين واسعتين ومكحلتين, ووجهاً أبيض مثل الضباب وطولاً متميزاً كعارضات الأزياء, ورشاقة ممثلات يسحرن الجمهور, ولها رقة فراشة في قصائد الشعراء, وضحكة ملائكة صغيرات, لكن كل هذا الاعتقاد ليس له رصيد إلا في مخيّلتي في واقع الحال. وعلى مايبدو هناك أمور أكثر غموضاً تتلبّس الآخرين حينما يعشقون شيئاً ويطاردون خيالاتهم من أجله, فأنا بنت عادية لايميزني عن غيري إلا بما تتميز عنه بنت عن غيرها بالشكل وخريطة الجسد” ص8  كذلك طارق– مارك- يقول: “اختنق وأتنفس بصعوبة وأعلى صدري مضغوط…, كنت اهرب من المنطقة الخضراء,إلى بديعة…, التي تحاول أن تقنعني بجدوى أن أكون طارق العراقي, فلا ينفع أن أبقى مارك الأميركي, وتعيب عليّ أنني صرت مسيحياً وتركتُ إسلامي) ص224
أجدها ناعمة وصغيرة وبريئة، طفلة بهية ريحانة الحلوة التي قبِلتني كخالٍ لها وابتعدت مفزوعة مني حينما رأت بي كائناً آخر ليست له مواصفات الخال الذي في بالها…, يوم رأيت ريحانة وجدتها أيقونة مزهرة بهيئة أنثى صغيرة ويوم احتضنتها احتضنت قارورة عطر,ويوم طبعت أول قبلة على خدها شممت كل عطور النساء فيها” ص288.
بالعودة للمتن الروائي والتيمات سنجد أن وارد بدر السالم استخدم التقطيع  والترقيم، وان ثمة فلاش باك يظهر هنا أو هناك, سنجد انه قام بالكثير من الاشتغالات الجميلة على السرد عبر جماليات تلمسناها ونحن نقرأ بشغف رواية الحلوة, إضافة إلى التقطيعات التي تقترب من عالم السيناريو, والعنوانات التي شكلت عتبات نصية للولوج إلى عمق الحدث, والتي وظفت بدقة لمصلحة الرواية: (صفير النايات, النهاية, الوحيدة, الكلب,الخطيئة, الانفجار, الكابوس,صفير الحب الخ).ثمة انزياحات تأخذ شكل منهج أدبي جديد مشغول بعناية فائقة, إضافة إلى استعادة الذكريات والاشتغال عليها عبر إيقاعات النايات وسر حزنها الدفين في أنينها الموجع والكتوم,  كما حزن العراق المتجذر في وجدان الأديب وارد. لذلك الحوار المدروس الذي أتاحه الكاتب لأبطاله عبر حرية التعبير والقول, بعيدا عن إيقاع الرتابة المملة الذي يسيطر على عدد كبير من الروايات العربية, سنجد أصواتاً تضاف إلى صوت الحلوة وطارق.  صوت بديعة أم ريحانة وشقيقة طارق الأرملة المجروحة بعد فقدان زوجها، وهي معلمة مدرسة تتقاعد, كذلك صوت عادل,وأم عادل وغيرهم من الشخصيات في الرواية. يضاف إلى عدة امتيازات امتازت بها رواية الحلوة, إلى تلك الميزة الجريئة في طرح ماحدث لطارق العائد إلى العراق بعد غياب ثلاثين عاما قضاها في أمريكا بدّل فيها اسمه من طارق إلى مارك, ودينه من مسلم إلى مسيحي, وتنقل بين عدة مهن, وأمضى ليالي ماجنة, تزوج من كاترين التي خانته وبدرايته مع صديقه, فيقرر العودة إلى العراق, وأصبح يتعاون مع الأمريكان في غزوهم للعراق, يغتصب ريحانة– الحلوة– ابنة أخته, بعد حالات الخمر التي يوصلها إليها وهي بريئة, وهذا ما يسبب له جرحا نازفاً أبدا, ويصف الروائي تفاصيل تلك الليالي وصفاً يشد به القارئ إلى متابعة قراءة الرواية بمتعة ومتابعة دقيقة لأحداثها, سنجد تنقل الروائي عبر جغرافية روايته من بغداد إلى لبنان (جونيه) تركيا (اسطنبول) هي أمكنة تتصاعد زمكانيا مع سيرورة وصيرورة العمل وجمالية الأمكنة أو وحشتها وقسوتها, هي رواية العراق الجريح المذبوح من الوريد إلى الوريد مما فعله به الأمريكان من سجون وخطف واغتيالات وفتن طائفية (والدواعش)  سنجد أن العلاقة العدوانية بين الكلب (روني) وطارق, عدوانية تنم عن وفاء الكلب للحلوة وغيرة الخال طارق منه ومن حب ريحانة الحلوة له رغم تحذيره لها من أن الكلاب تنقل الأمراض للبشر حتى لو كانت لها بطاقات صحية, فيما بعد وفي اسطنبول سنجد أن الخال يأخذ الحلوة إلى دكتورة لتعيد لها غشاء بكارتها, وهو يشعر بالندم, بينما ريحانة الحلوة تحن إلى طفولتها, وهي على متن الباخرة في اسطنبول ترمي المشط الذي كان سر سحر رائحتها المميزة, ترميه في البحر: “فتحت ذراعيّ كجناحين مثل الممثلة الجميلة كيت وينسلت في فيلم تايتانيك, وتنفست بعمق متحررة من كل شيء في تلك اللحظة كان الهواء باردا وعذبا جداً كما لو أنني أشمه للمرة الأولى” ص 354
“الحلوة” عمل روائي جدير بوقفات أطول وغوص أكثر في جنبات هذا العمل الجميل تحية لمبدعه الروائي وارد بدر السالم.
أحمد عساف