ثقافة

“هنا لناـ نتذكر” رسائل العودة إلى الوطن

“حينما كنّا صغاراً حلمنا بتحقيق الوحدة العربية إلا أن حلمنا لم يتحقق، لكن بوجود سورية التي يفتخر فيها الأب باستشهاد ابنه، وتزغرد الأم لابنها الشهيد، ستزهر أوراق هذا الحلم”، الذي سينطلق من سورية التي تقدس ترابها بدم الشهداء بهذه الكلمات اختتم الفنان الكبير دريد لحام العرض المسرحي المنوع” هنا لنا –نتذكر” بمبادرة من أحباب يا بلدي على خشبة مسرح الأوبرا، والذي تضمن رسائل موجهة للعودة إلى الوطن من خلال استرجاع سيرة أبي خليل القباني، واستعادة لوحات من مسرح الشوك، لتكون وقفة تأمل للمسرح السوري في الستينيات والسبعينيات، وبقدرته على الولوج إلى حيثيات اجتماعية وسياسية معتمداً على النقد اللاذع بغية البناء وليس الهدم، وربما كانت رسالة موجهة إلى المسرح السوري حالياً ليتألق بصور تعبيرية جديدة وهادفة في آن واحد.
وشارك الفنان دريد حام في إحدى اللوحات بكركتر”غوار الطوشة”، بإخراج بسيط ومؤثر من حيث الإضاءة والخلفية التي تجسد نوافذ بيوت دمشق القديمة الملونة وتعبّر عن حميمية العلاقات الاجتماعية، كما تميّز أيضاً بروح الأدب والشعر فكان أشبه بمهرجان شعري صغير لأجمل أبيات الشعر العربي، وبعض الأقوال التي وظّفها لحام ضمن العرض المسرحي مثل قول غادة السمان” الأشجار لا تهاجر”، وقد هيمنت روح الكوميديا على لوحات مسرح الشوك، بمرافقة موسيقا سمير كويفاتي.

القباني ومسيرة العودة
نغمات قطرات المياه المنسدلة على مياه البحرة لتتعانق معها كانت شاهدةً على السرد الحكائي لحياة أبي خليل القباني رواها الفنان علي كريم بتجسيده شخصيته افتراضياً بكاركتر وزيّ يلائم الزمن الذي وُجد فيه، ليخاطب الجمهور من فناء البيت العربي قرب البحرة، وقد امتلك قدرة على التعبير والتأثير بالجمهور، لاسيما أن حياته كانت مليئة بالصعوبات وواجهته مصائب متعددة، فبدأ بالسرد منذ ولادته عام 1833في حيّ باب السريجة، ومنذ السنوات الأولى شُغف بفنّ التمثيل والغناء ومن ثم سافر إلى حلب وتعلم أصول علم الموشحات ورقص السماح، بعدها عاد إلى دمشق وقدم أولى مسرحياته ولاقت نجاحاً كبيراً، ومن ثم قدم في باب الجابية وحيّ الجمرك، واستقطب مسرحه شرائح مختلفة حتى الفقراء، وبعد ذلك أسس القباني فرقته الخاصة ووصف هذه المرحلة بالمرحلة الذهبية عام 1878.إضافة إلى تلحين أغنيات خاصة يضيفها إلى المسرحية، وعمل بتلحين الموشحات، إلى أن اشتدت عليه معارضة التمثيل من قبل الوالي وكثيرين، فسافر إلى الإسكندرية وأسس مسرحه هناك، وبعد رحلة مسرحية طويلة عاد إلى الشام التي لم يجد السكينة إلا في حاراتها وهو يغني”ياطيرة طيري يا حمامة”، ثم أصيب بمرض الطاعون وتوفي عام 1903 لتنتهي مسيرة حياة هذا المبدع الذي احتمل الكثير من الألم من أجل تأسيس الفنون السورية بأنواعها، الفيلم الحكائي عن مسيرة القباني الذي كتبه عبد الفتاح قلعجي، لم يكن فقط لاستعادة سيرته وإنما حمل بين فواصله رسالة إلى كل المهاجرين كي يعودوا إلى أرض الوطن.
وتخلل الفيلم غناء إفرادياً لخلدون حناوي الذي غنى موشح “محبوبي قسى” والمطربة ميادة بسيليس موشح “ما احتيالي” بينما أدى كورال سورية موشحات “يا غصن نقا وبالذي أسكر وأغان مثل يا مسعد الصبحية”.  واللافت أن القباني أوضح في سرده الحكائي بأنه لحَن الموشحات في أكثر الأوقات حزناً لذلك عبّرت عن شجونه وأوجاعه على ضياع مسرحه- وتتالت الرقصات للأداء الجماعي لفرقة كورال سورية التي ترافقت مع رقصة تتناغم مع لحنها الراقص، لكن أجمل رقصة كانت “يا طيرة طيري يا حمامة، والتي تميّزت بالزي الشامي وبالطربوش والرقص بالعصا، وبحركات متسارعة لتنتهي بقفلة ثنائيات الراقص والراقصة.
وبدأت لوحات مسرح الشوك بكلمة الفنان دريد لحام، إلا أنها لم تكن كلمة اعتيادية وإنما مسرحاً اشترك فيه الممثلون (محمد خير الجراح- يزن السيد –راكان تحسين بيك- طارق الشيخ- معن عبد الحق) الذين كانوا يجلسون بين الجمهور على غرار المسرح الخفي، لتبادل أجمل أبيات الشعر في عصوره المتلاحقة، منذ العصر الجاهلي لمعلقة امرئ القيس:
“مكر مفر مقبل مدبرمعاً
كجلمود صخرحطّه السيّل من عل”
ثم اشترك حسام تحسين بيك مع كنده حنا وفريق الممثلين بتقديم مقتطفات استعادية من اللوحات التي قُدمت بمسرح الشوك منها تحقيق التي اشترك فيها غوار الطوشة مع رفيقه عمر حجو.
ملده شويكاني