ثقافة

د.عفيف بهنسي..سورية المدهشة إلى آخر رمق

من الصعب الإحاطة بما قدمه عفيف بهنسي الذي رحل عن دنيانا منذ أيام وهو عالم الآثار والمتبحر في علم الجمال والباحث المتعمق في تاريخ العمارة العربية والفن العربي الإسلامي، وهو المؤرخ والفنان التشكيلي والنحات وأول نقيب للفنون الجميلة، عاش مناحي الثقافة والفن والفكر والفلسفة، وقام بدور كبير في إثراء المعارف والبحث عن مكنونات الإنسان، فكان رائداً في علم الآثار والمتاحف، وأسَّس الكثير منها في سورية، وعندما استلم مديرية الفنون الجميلة 1971-1989 كان دائم البحث عن مكنونات الحضارة والتاريخ في سورية. ولِدَ في دمشق ودرس في مدارسها وحصل على إجازة دار المعلمين وإجازة في الحقوق ودبلوم العلوم الإدارية من جامعة دمشق عام 1950 ليتجه بعدها إلى باريس لدراسة الفن، لينال الدكتوراه في تاريخ الفن بمرتبة الشرف، ألحقها فيما بعد بدكتوراه دولة في الموضوع ذاته.

سورية المدهشة بتاريخها
رغبته في أن يكون أستاذاً جامعياً دفعته لكي يتابع الاطلاع على الكثير من المؤلفات، وقام بكتابة القصص في مجلة “الآداب” وغيرها، فكانت قصصه تعبيراً عن مواقفه الاجتماعية والإنسانية والعروبية والقومية، وفي الوقت ذاته كان مُغرَماً بالاطلاع على التاريخ القديم، وكان يتساءل كيف كان الإنسان القديم في العصور الحجرية؟ ولطالما أدهشته سورية بتاريخها ومواقعها التي تعود للعصور الحجرية.
حين كان في باريس دعاه وزير الثقافة للالتحاق بوزارة الثقافة، وفيها اكتشف الطريق الذي يمكن أن يتابع فيه حياته، فبدأ كمدير للفنون، وانتهى مديراً للآثار والمتاحف، وخلال ذلك استطاع أن يحقق الكثير من الأهداف التي كانت تراوده، حيث كان يكتب عن الفنانين والحضارة والعمارة، فوجد نفسه في نطاق عمله يستطيع أن يحقق هذه الأفكار عملياً، فكان سعيداً في مواقعه الوظيفية وتعاونه مع زملاء رواد في نطاق الآثار والمتاحف.
يقول بهنسي في أحد حواراته: “عندما استلمتُ مديرية الفنون الجميلة كانت جهودي منصبَّة على تأسيس مراكز للفنون التشكيلية والتطبيقية التي لم يكن لها وجود لا في سورية ولا في أيّ بلد عربي حين وجدتُ أن النوادي في المحافظات تستطيع أن تكون مراكز لتعليم الفنون ولممارسة النشاط التطبيقي في الوقت الذي لم يكن لكلية الفنون وجود، وهي التي أنشاها فيما بعد بدعم من وزير الثقافة في عهد الوحدة ثروت عكاشة والتي خرَّجَت أساتذة وفنانين شغلوا مناصب وأقاموا نشاطات هامة.
بعد تأسيسه لكلية الفنون الجميلة وضع بهنسي مجموعة من الكتب وصل عددها لنحو 82 كتاباً، شملت موضوعات في الآثار وعلم الجمال والعمارة والفنون العربية والإسلامية  والفنون التشكيلية، تُرجِمَ بعضُها للّغتين الإنكليزية والفرنسية، وهو يقول في هذا المجال: “عندما ذهبتُ إلى باريس وجدتُ أنه لا يوجد مراجع باللغة العربية حول الفن والعمارة العربية والإسلامية فأردت أن أسد ثغرات في المكتبة العربية فكتبتُ في المجلات، وعندما أصبحت فعالاً في كلية الفنون ومشرفاً على مراكز الفنون كان لا بد من أن أصدر الكتب والمؤلفات التي لها علاقة بالتاريخ والفن والعمارة وفلسفة الفن العربي”.
ترأس الراحل بهنسي تحرير العديد من المجلات الآثارية المتخصصة، منها مجلة “الحوليات الأثرية” وكان عضواً في هيئة تحرير مجلات تشكيلية مثل “الحياة التشكيلية” و”المقرنص” وتكريماً له تمت تسميته رئيس تحرير لمجلتين آثاريتين عالميتين هما “أرت” و”ليو” وعبر أثير الإذاعة قدم برنامجين عن الآثار، الأول عام 1960 واستمر لمدة خمس سنوات، والثاني من العام 1983 وحتى العام 1988 كما قدم برنامجاً تلفزيونياً مع ناديا الغزي، أما في الجانب الإبداعي فكان بهنسي شاعراً ورساماً ونحاتاً، شارك في العديد من المعارض، ومن أهم إبداعاته في مجال النحت تماثيل للجاحظ والفارابي وابن سينا وابن النفيس وزنوبيا والكندي وعادلة بيهم الجزائري وزكي الأرسوزي، وغيرهم، وهي موزعة على حدائق دمشق، كما صمم الكثير من الشعارات لمؤسسات ومناسبات، وشارك في تصميم الطوابع البريدية والعملة النقدية، وفي هذا المجال يقول:
“مارستُ التصوير ومررتُ بمراحل متعددة فيه، من الواقعية إلى التعبيرية فالتجريدية والحروفية”.. أما النحت فقد منحه تنفيذ أعماله في الحدائق، وكان أول من استحضر خبراء لصنع تماثيل من البرونز فكان أول تمثال صُبّ من البرونز تمثال أبو العلاء المعري الموجود حالياً في حديقة ساحة الروضة القريبة من بيته.

صنعنا الأبجدية الأولى
يقول بهنسي: “أردتُ من ثقافتي وكتبي أن أبيّن للإنسان السوري أنه لم يكن على هامش التاريخ بل كان فاعلاً هو وأجداده في هذا التراث، وأننا لسنا ضعفاء لأن الحضارة ليست كلمة بل هي تراث، وأن الحضارة ليست حكايا وأساطير بل حقيقة حاضرة، فالتنقيب يؤكد أننا صنعنا الأبجدية الأولى والكتابة والموسيقا القديمة وأقدم منزل في التاريخ”.
لقد أراد بهنسي أن يعرف الإنسان السوري أننا في هذه المرحلة يجب أن نسترجع عزتنا وقوتنا وإمكانياتنا لكي نستطيع أن نجابه العالم، فللآثار المكتشَفة في سورية من الكثافة أكثر من أية منطقة في العالم، وهذا دليل على أننا كتبنا الصفحات الأولى في تاريخ الإنسانية، فنحن من علّمْنا العالم كيف يبني حضارته وأن ما كتبناه ستقرؤه الأجيال وستعرف أن ما اكتُشِفَ هو الحقيقة ولم يكن شعراً ولا قصيدة، وأن حولية تصدر  في روما يشترك فيها 12 عالماً ما زالوا يكتبون ويترجمون الرُّقُم التي اكتُشِفَت في سورية  ليتعرفوا على بدايات التاريخ.
كان الراحل يؤكد دائماً أن ما كتبه لم يكتبه من أجل اليوم بل من أجل الأجيال المقبلة، داعياً الجميع إلى القراءة ليتعرفوا على حصيلة الحصاد الضخم من تراثنا وحضارتنا.
أمينة عباس