ثقافة

لماذا نقبل صراع العروش!؟

“أسوأ ما يمكن أن يحدث في عام 2018 أنه لن يكون هناك جزءٌ جديد من صراع العروش” عبارة تختصر بكلّ بساطة لسان حال جمهور السلسلة التلفزيونية الأشهر على الإطلاق، وتلخص المدى الذي وصل إليه هؤلاء المهووسون بحلقات المسلسل الذي تخطى موسمه السابع بنجاح ساحق وأرقام متابعة خيالية والمسلسل هو فانتازيا ملحمية، مقتبس عن سلسلة روايات “أغنية من ثلج ونار” لمؤلفها جورج مارتن، وهو من إنتاج استوديوهات اتش بي او، بث لأول مرة عام 2011 وتم إعادة ترجمته ودبلجته لأغلب لغات العالم ومن ضمنها العربية.

قتلٌ، ودمار، وحروبُ، وتدمير، مؤامرات، عار، تنانين وذئاب بشرية وماهو غير معقول يصبح مُشاهداً ومعقولاً على شاشة صغيرة تتسع لكل أنواع المتناقضات، وهذا اللامنطقي الذي بدوره يعبر في ذهن المشاهد دون أن يثير فيه تساؤلات حول صواب أو أخلاقية مايعرض.

وإن كان العقل الغربي الذي أنتج وقولب هذه المتناقضات وحول رواية مارتن إلى مسلسلٍ دموي يستطيع أن يستوعب كمية الموت والعنف والشر المطلق العنان، البعيد كل البعد عن قيود أديان أو تقاليد جمعية مُغيّبة ضمن العمل والتي ربما تكون نجحت العقلية الغربية في تخطيها، فإن السؤال الذي يُطرح هنا هو كيف استطاع هذا العقل العربي المحدد أخلاقياً واجتماعياً ودينياً بضوابط تبدو ثابتة وصلبة في زمن متخلخل، كيف استطاع أن يشاهد هذه الدراما ويقتنع بهذا المحتوى..!؟ بل كيف استطاع تفكيره أن يتخطى كل أنواع المساءلة والمصارحة ليقبل كل هذا العبء اللاأخلاقي الذي تطرحه السلسلة بدون حتى أن يستطيع استنباط وتحديد الجيد والسيئ في هذه الدراما!؟ وما هو سر تقبله بكل هذه البساطة لكل هذا الشر غير المبرر..!؟

ربما يكون السبب الترفيه الذي تقدمه.. أو ربما أداء الممثلين المتقن.. الأزياء… الديكور.. النص.. عوامل جذب إضافية عززتها الميزانية الخيالية التي قدرت بـ 9 ملايين دولار للحلقة الواحدة، رقم لا يبدو كبيراً جداً مقارنة بالأرقام والأرباح التي يجنيها المسلسل لصناعه والتي لم يفصحوا عنها ولن نبحث نحن عنها..

سلسلة خيالية، ومجتمع خيالي، قارات ولغات مخترعة لتخدم أحداث العمل..  حروب طاحنة تبدو عبثية.. وعرش حديدي هو ما تصبو إليه أنفس المتقاتلين تلفزيونياً بين الشمال والجنوب، وأم التنانين وغيرها من الأسماء التي تظهر وتختفي تباعاً على مدار حلقات العمل.. زنا محارم، ومشاهد خادشة للحياء سقطت في فخ الإباحية.. قطع رؤوس.. صلب.. هتك أعراض.. اغتصاب.. اجتياح.. عناوين مخيفة لعقولنا، ومثيرة للهلع الإنساني تجمع بينها حلقات المسلسل التي اتكأت في حبكتها الدرامية على تلك العناوين وأقامت عليها أحداثها التخيلية.

ونحن هنا لا نستطيع أن نتهم الدراما باختراع وتصدير هذا العنف، فما هو مخزي حقاً أن كل هذه الأحداث التي تبدو لنا كمشاهدين فظيعة وغير ممكنة إنسانياً هي أحداث حقيقية ومثبتة تاريخياً، ورغم كل بشاعتها وقماءتها إلا أنها حدثت بالفعل، وهي بالضبط ما استند عليه الكاتب عندما قام بكتابة روايته وجعل لها بذلك أساساً حقيقياً، رغم خيالية المكان الذي تدور فيه أحداث المسلسل الذي لا يقوم على جدلية الصراع بين الخير والشر، ذلك الصراع الأزلي التي تتبناه البشرية جمعاء وينسحب تبنيه على كامل أعمالها ومخرجاتها الأدبية والفكرية، إن صراع العروش هو صراع على الحكم الأقوى والأبقى مهما كانت الوسائل المستخدمة للوصول، فالشر والخير ليستا القضية الأساسية، فهما يبدوان لنا متشابهان في جميع حلقات المسلسل بل قد يتبادلان أحياناً الأدوار وفي أحيان كثيرة يمتزجان، وربما نجد أنفسنا نقع في هوى الشخصيات التي كتبت لتكون شريرة بل ومطلقة الشر وننفر ونكره تلك الشخصيات التي ربما تبدو خيّرة، وأحياناً كثيرة تبدو لنا كمشاهدين شخصيات المسلسل كلها شريرة طالما أن الصراع هو أحادي القطب بين مجموعة أشرار،  نظرية تدعمها حقيقة حيادنا وعدم انتمائنا لأي طرف في هذا التخبط الملحمي، أو ربما هي الحالة الطبيعية لنا كبشر عندما نعتنق فكرة أو رأي معين ونعتبر ما اعتنقناه هو الصحيح المطلق وكل ما سواه هو خطأ محض.

دوامة مضطربة تقذفنا داخلها أحداث السلسلة وتجعلنا نقبل دون شك أو سؤال هذا العنف واللاإنسانية وعدم الاكتراث واللامبالاة بتحديد مواقع الخير والشر، إنها دراما تجعلنا فقط نستمتع ونتلذذ بالمشاهد القاتلة دون عبء أو تساؤل طارئ حول أخلاقية ما نشاهده من عدمه.. أخلاقية أعتقد بالنسبة لنا كشباب عربي وسوري بشكل خاص متابع لهذا العمل دمرتها سبع سنوات مريرة حولت حياتنا لجحيم لا يطاق، وخلطت معها مفاهيم اعتقدنا أنها لن تتغير يوماً وجعلت مع قسوتها ولا أخلاقيتها أي سؤال عن مدى إنسانية وأخلاقية هذا العمل سؤال عبثي وغير ذا أهمية، فأي تساؤل عن قانونية وإنسانية هذه المشاهد المريعة التي تبدو لنا أمام هذه الحرب الدائرة رحاها معقولة ومقبولة، وتجعلنا لا نشك بمصداقية ما يعرض علينا. فأعتقد أننا لو شاهدنا هذا العمل قبل سبع سنوات مضت لما كنا صدقنا أن العالم يحوي هكذا شر، وربما ما كنا تابعنا حلقة واحدة من هذا العمل الذي كان سيبدو بربرياً متوحشاً عن ثقافتنا قبل الخريف الدموي الذي ضرب منطقتنا وحول حياتنا فانتازيا مميتة بلا عروش.

إن الذي دفعنا إلى هذا العمل رغم بشاعته، وجعلنا نقبله دون سؤال هو أن الواقع الذي عشناه في السنوات السبع الماضية كان في الحقيقة أكثر قسوة وبشاعة وليس بسبب تلك الميزانية التي صرفت لإخراج هذا العمل بهذه الصورة المكتملة وحشيةً. “فصراع العروش” بكل ما يمثله من لا منطق وعنف هو صراع واقعي يحيط بنا وبأنفسنا، هو قبيحٌ أجل، ولكن هكذا هو الواقع الذي فُرض علينا وجعلنا متحمسين لهذا العمل وموافقين بلا جدل حول إمكانية حصول أحداثه حقاً، فما وقع علينا من قتل كان أقسى وأكثر صعوبةً من أن تحتملها سلسلة تلفزيونية. فكان طبيعي إذاً هذا القبول والاستمتاع بهذه الدراما دون شكوك.

هذا العام وبعد مواسم ناجحة سيتوقف المسلسل الأنجح جماهيرياً خلال السنوات الماضية، توقف نأمل أن ينسحب على واقعنا وتتوقف مواسم الصراعات الدموية التي تحيط بنا وتثير داخلنا الخوف والريبة والاشمئزاز أكثر من حلقات مسلسل صراع العروش.

بثينة أكرم قاسم