ثقافة

“ديوك الغريب” للشاعر محمد كنايسي في أمسية شعرية”ماؤها عسل ماذاقه أحد إلا وعاد لها يسري به التوق”

دمشق كانت حاضرة بصوت الشاعر محمد كنايسي في أمسية شهدت حضوراً قوياً للمشهد الشعري الذي عاد بقوة إلى المنابر الثقافية، ليحتفي جمهور دمشق في المركز الثقافي في –أبو رمانة – بديوان “ديوك الغريب” بحضور د. مهدي دخل الله عضو القيادة القطرية رئيس مكتب الإعداد والثقافة والإعلام، ود. علي المبيض معاون وزير الثقافة من خلال قراءات الشاعر لقصائده المتراوحة بين المطوّلات والمقطوعات الشعرية القصيرة التي وصفها بيوميات، وإضاءة نقدية دقيقة ومتأنية للشاعر جمال المصري، ركز فيها على اعتماد الشاعر على أوزان بحور الشعر العربي وعلى تجزيء التفعيلة حيناً متوقفاً عند الموسيقا الشعرية ومصطلح”التسطير الشعري” بشكل خاص، موضحاً ابتعاد الشاعر عن خصوصية قصيدة النثر التي  ربما يظن بعض القراء أن القصائد من روحها.

الشعر والصحافة المكتوبة
ورأى د. علي المبيض أن من الجميل أن يكون من يعمل بالشأن العام فناناً أو شاعراً يعيش بين الناس ويلمس معاناتهم، مما شدني إلى هذه الأمسية أن رئيس تحرير جريدة البعث محمد كنايسي هو الشاعر، وهذا يؤكد على عمق العلاقة بين أنواع الثقافة والصحافة المكتوبة تحديداً، وهذه العلاقة تسهم بشكل كبير في إيصال الثقافة إلى شرائح مختلفة من أوساط الجمهور، ويجعلها كما قال الشاعر العربي نزار قباني كالخبز يتناوله الجميع، ووصف القصائد بأنها مفعمة بالوجدانيات ومليئة بالمشاعر الفياضة. وأضاف: الأمر الهام هو ما لمسته من تفاعل الجمهور مع  روح الإلقاء ومضمون القصائد وجمالياتها الفنية، وأشاد بتوصيفه دمشق في قصيدة خاصة متوقفاً عند قوله”عصفورة الشرق لاطير يماثلها”، ونوّه إلى أن جمهور دمشق شديد الانتقائية ولا يتفاعل بسهولة مع المنتج الثقافي إلا إذا كان قوياً ومؤثراً، مشيداً بأهمية المشهد الشعري وبإعادة الجمهور إلى تذوق الشعر وبجمالية الإبداع الشعري الذي قدمه كنايسي.

توصيف المدينة
وقدمت السيدة رباب الأحمد مديرة المركز لمحة عن السيرة الذاتية للشاعر كنايسي واستعرضت مناخات الديوان التي تعبّر عن صدى بوح ذاتي متأرجح بين ضفاف مدينتي دمشق والقيروان مقتربة من روح القصائد التي تطال حقيقة الحياة وتغيّرات الزمن في ظل الشعر التقليدي وشعر التفعيلة، متوقفة عند قصيدة القيروان المفعمة بالحنين والشوق إلى ملامح تلك المدينة الوادعة”لأحجارك اليانعة، للكتاتيب واللوح والقارعة، لجو الدهاليز حيث تفوح الجرار”.

التماهي بين دمشق والقيروان
وقبل أن يبدأ الشاعر جمال المصري بالإضاءة النقدية نوّه إلى حالة الصمت الشعري التي دامت ثلاثة عقود ليعود كنايسي بعد ما وصفه بتفجر الأرض منذ سنتين لا ليكتب الشعر، وإنما كان كما قال ينزف شعراً لتختزل نصوصه بين دفتي “ديوك الغريب” ما يزيد عن خمسمئة صفحة خلاصة تجربته الاغترابية في الزمان والمكان والروح، بخاصية التماهي بحال الشاعر المسكون بين مدينتي دمشق والقيروان:
“وفي روحي  دموعك يا دمشق
تسيل على خدود القيروان”
لينطلق إلى إيحاءات العنوان”ديوك الغريب” الذي وصفه بالضيق الفسيح.
“ديوكي لاتكف عن الصياح
وروحي لا تكن وتستريح”
ليجد المصري في قربه من الطبيعة وانتمائه إليها نوعاً من التمرد ليؤسس معنى جديداً
وأشعر أن نوعي ليس نوعي
وأني أنتمي للأقحوان
لندرك بأن ديوك الشاعر ما هي إلا روح معذب قلق وهو الإنسان القتيل بأفعاله قبل أن يكون قتيلاً بفعل خارجي، هو الباحث عن نفسه، ويدرك أنه كائن أرضي سماوي في آن واحد، فيعبّر عن هذا التناقض بهذه المشهدية الدرامية الصغيرة:
أمر غريب يستفز كياني
أن يستقر بداخلي شخصان
ليمضي بقراءته إلى ملامح الغربة التي خطّت أوجاعاً في ذات الشاعر حتى امتدت إلى روحه.
“وأعجز عن مواكبة الزمان
كأني لستُ من هذا الزمان”
ويتابع المصري تحليل نصوص كنايسي ضمن سياق البحر الكلاسيكي لكنه يدرك كل تقنيات الحداثة، لينقلنا بإحدى صوره إلى التحليل النفسي المكبوت بتعريف الحلم وفق فلسفته الخاصة:
مهما بدا لكم
جميلاً كالعروس
الحلم مرحاض النفوس

النزعة الصوفية
ويتابع المصري تحليله  لقصيدة التفعيلة التي صاغها الشاعر بالصور الحديثة  وبدفقات مشاعره وبرمزية يستنبطها القارئ وفق تراكماته الثقافية وروحه من خلال قصيدة تخضع للتورية بين المعنى القريب والبعيد:
“المرأة
ذات الأسنان السوداء
لاتضحك
إلا في الليل
أمام المرآة
تتفقد من يسكن فمها
من أفراد المأساة”
وقد فسّرها المصري من وجهة نظره بأن الشاعر يقصد الحياة برمزية إلى الأشخاص الأشرار الذين يغيّرون ألوانها بعيداً عن المرأة بحدّ ذاتها, ليتوقف عند البعد الهام في شعر كنايسي وهو النزعة الصوفية ولكن بخصوصيته المغايرة لمفهوم الحلاج”أنا في الحبّ حلاج جديد” ليؤسس جماليات تبني نصّه الخاص.
ثم ينتقل إلى عنصر الفكاهة بالمتخيّل الشعري الذي لم يغب عن جوانب نصوصه كما في:
وضمخني السكر حتى
توهمتُ أني فيل كبير
فلما أفقتُ تأملتُ وجهي
وإذ بي حمار صغير.

معالم في الذاكرة
وبعد الإضاءة النقدية قرأ الشاعر كنايسي مجموعة قصائد باحت بالوجع حيناً وبالحبّ حيناً، وبالحنين والشوق لمعالم خطت أحرفها في الذاكرة، لتبقى أحرف الدمار والموت شاهداً على الحرب الإرهابية التي انتصر فيها الحبّ على الموت، كما صوّر الشاعر مشهدية الصراع الدرامي في قصيدة”باب توما” وتتالت بين نداءات وحواريات وتساؤلات، شكّل الزمن فيها عمود القصيدة، وفي منحى آخر وظّف رموز الطبيعة في الإيحاء بأبعاد صوفية. والأجمل كان جمالية التوصيف لمعالم المدينة المسكونة في ذات الشاعر سواء أكانت دمشق أم القيروان.
وقد حضرت مفردة  “الخمرة” بدلالات متعددة وظّفها الشاعر بالعشق الروحي والصوفي، وأنسنة الطبيعة مركزاً على الأبعاد الموحية للعصافير والذباب، ليتفاعل الجمهور مع مطوّلة “المطر” التي انتهت بقفلة حميمة كان لها وقع على الجمهور”يا مطر المطر”، وليقترب من روح الأنثى والتغزل بها بالمعنى العاطفي الوجداني وليس المادي كقوله”أحتاج شعرك الطويل كي أطير” ليصل إلى قصيدة “القيروان” التي جمعت بين التوصيف والحنين والحبّ.
لضربة شمسك أشتاق
يا خلطة من شقاء المكان
وعطر الأبد
ويازمناً لم يعدّ
وياشبق الروح قبل الجسد
ويا غيبة البحر حتى البكاء
ويا قبلة للمجانين والبؤساء.

إشكالات وإيضاحات
ومن الإشكالات التي أجاب عنها الشاعر المصري موسيقا القصيدة التي جعلت ضجيج التفعيلة أعلى من صوت الكلمات، وهذا ما نلمحه بقصيدة النثر، لكن كل شعر كنايسي هو قصيدة تفعيلة بكامل أبعادها، وإنما ضمن مجموعة من المعطيات منها تسطير التفعيلة الذي يأتي نتيجة تراكمات شعرية عميقة تنبع من فعل داخلي، ليصل إلى خاصة تنتمي إلى الشعر الفرنسي بالتحديد وهي العلاقة بين السطر المكتوب والإيقاع التي تثير وقعاً ضمن مفهوم الصوتيات وجمالية التعامل معها، والتوقيفات الموسيقية للتفعيلة عن سريانها. وهذا ما أتقنه كنايسي كما أكد جمال المصري ليصفه بأنه سفينة التفعيلة وبحارها.
ملده شويكاني