ثقافة

أخطر فنجان قهوة في العالم

قصّة رجل خاطر بكل شيء من أجل القهوة. هذه القصة الدافئة لرجل تخطى كل العقبات لبدء شركة القهوة الخاصة به، هي ما دفع بـ”ديف إيغرز” الكاتب والمصور والناشر الأمريكي المعروف، لبذل أقصى جهده للخروج بكتاب تحكي كلماته واقعاً مُعاشاً ولكن بطريقة عصريّة.

مختار الخنشالي، بطل وموضوع رواية “The Monk of Mokha/كاهن الموكا”. رجل غير عادي، ولد بمدينة سان فرانسيسكو منطقة تندرلوان وهو مواطن أمريكي يمني الأصل، كان في طريقه إلى حياة الجريمة عندما خطرت بباله فكرة استيراد القهوة من وطنه الأم.

كما هو واضح من تفاصيل إيغرز، وظّف الخانشالي مزيجاً من ذكائه وخبرته المكتسبة من الشوارع مع الكثير والكثير من المثابرة والعمل الجاد لبدء مشواره في صناعة القهوة، ليسافر أخيراً إلى اليمن بجولة حول البلاد المتأزمة الأحوال، ولكن ذات حبوب البن الواعدة.

يأخذ القارئ، مع قلب صفحات الكتاب، فكرة سريعة حول تعقيدات صناعة القهوة، من تقنيات التحميص التي تُبرِز “أكثر من ثمانمائة رائحة ونكهة مختلفة” إلى الدراسة الشاقة المطلوبة لنيل درجة “Q/كيو” وهي أعلى شهادات الخبرة في نوعية وتصنيف القهوة.

ذلّل الخانشالي كلّ عقبة واجهته في سعيه لتحقيق حلمه، نال درجة “الكيو” وعندما أوشك على بلوغ هدفه، اشتعلت الحرب في اليمن عام 2015. ليحاصر في البلاد مع “أفضل وأجود حبوب زرعت في اليمن خلال الثمانين عاماً الماضية” غير قادرٍ على توضيبها لعرضها في المعرض التجاري في سياتل.

أما الثلث الأخير من الكتاب، يفصّل حالة وخطّة الخنشالي للفرار بأي وسيلة كانت، وكأننا نشاهد فيلماً سينمائياً دراماتيكياً لا نقرأ كتاباً. فقد توجب على الخنشالي واثنين من موظفيه شقّ طريقهم خلال المعارك وعبر نقاط تفتيش مدججة بالسلاح، ومواجهة الإعدام أكثر من مرّة.

في اختياره للخنشالي كموضوع لكتابه، ضمن إيغرز شريحة واسعة من القراء الذين تغريهم الكتابات عن فضائل العمل الشاق وأهمية الدهاء في الخروج من الأزمات. ولكن المشكلة مع كتاب إيغرز ليست في تنفيذه، فهو رائع، بل في مفهومه. استغلال إيغرز لشهرته في تقديم قصّة مجهولة جدير بالثناء، ولكنه غير مجدٍ، فالاعتماد على شخص ملوّن البشرة أو أمريكي-عربي (كما قالت الصحافة الأمريكية) أثار حفيظة الكثيرين.

صحيح أن هذا الاعتراض غير عادل، وخاصة أن الكتاب أخذ وقتاً من العمل والتحضير، ولكن موضوعه يُذكِّر بالهجرة اللاشرعية إلى أمريكا وبالأعراق المختلطة وكراهية الأجانب، وعلى الرغم من بشاعة هذا النقد إلا أنه الموضوع الأهم في الشارع الأمريكي حالياً. وفي ظلّ رفع شعارات لطرد المجنسين الفقراء والإبقاء على الموهوبين ومُدرِّي الأرباح. وقبول رجل كمختار الخنشالي والاحتفال بنجاحه هو بالكاد علامة لمجتمع أخلاقي متقدم.

لم يرتشف ديف إيغرز أوّل فنجان من القهوة حتى بلغ سن الـ 35، وهذا ما جعله مناسباً بشكل فريد لعمله الأخير، وفي حفل توقيعه للكتاب في الثلاثين من شهر كانون الثاني الماضي، سأله أحد الصحفيين، ما الذي ألهمك لكتابة هذه القصة؟ فجاءت إجابة إيغرز “القصّة من البداية وحتى النهاية عن الإنسان ويمثل مختار الكثير مما أعجب به في الإنسان، تفاؤل لا حدود له وشجاعة عظيمة وفضول وروح فكاهة حول كل ما حدث له. إضافةً إلى تشاركي ومختار عدم الخبرة الكافية حول القهوة بشكل عام، فهو ليس مستهلكاً كبيراً للقهوة قبل أن تصبح محور حياته الوظيفيّة. وبالنسبة لنا القصة ليست مجرد قصة عن القهوة، إنها عن معرفة من أين يأتي مذاقها الرائع والعلاقة بين محبيها وذواقيها”.

سامر الخيّر