ثقافةصحيفة البعث

إبراهيم أصلان عصفور النيل الحزين الذي غزا العالم بإبداعاته

 

إبراهيم أصلان, الأديب الذي استطاع ومنذ بداياته المبكرة أن يكون علامة فارقة في المشهد القصصي والروائي والإعلامي المصري والعربي,على الرغم من انه لم يتلق تعليما مدرسيا كما يجب, وتنقل بعدة مهن من صانع سجاد, إلى ساعي بريد, وغير ذلك من مهن أخرى نظرا لولادته في أسرة ريفية فقيرة, وعلى الرغم من ذلك استطاع, أن يحفر لاسمه وإبداعاته القصصية والروائية، عميقا في المشهد الإبداعي العربي, على الرغم من وجوده في عصر عمالقة الرواية والقصة أمثال نجيب محفوظ, ويوسف إدريس, وادوار الخراط وغيرهم.
منذ بواكير إبداعاته استطاع شد الانتباه لإنتاجاته الأدبية, وكانت البدايات مع مجموعته القصصية الأولى ( بحيرة المساء) الصادرة في أواخر الستينيات. في هذه المجموعة حفر عميقا اسما من ذهب في عالم القص, حيث استخدم تقنيات فنية حداثوية, وأساليب مبتكرة في الولوج لعالم قصصي يزاوج بين الواقع والمتخيل, بأدوات سردية تنتمي إلى جوهر الحداثة، ولم يتوقف الأمر عند ذلك, عندما فاجأ الجميع بتحفته الروائية: (مالك الحزين), هذه الرواية استغرقت كتابتها قرابة الثمانية أعوام, وهي من أشهر وأهم الروايات العربية المعاصرة. روايته التي أدرجت ضمن أفضل مائة رواية في الأدب العربي, وحققت له شهره أكبر بين الجمهور العادي, بحيث أن شهرتها لم تتحقق فقط على أيدي النخبة, إنما من الجمهور البسيط والعادي.
في تلك الرواية قام أصلان باشتغالات روائية عديدة على الزمان والمكان, مستخدما سردا يقارب الابتكار في السرد العربي السائد آنذاك، إن لم نقل انه تجاوزه وكرس له تقليدا جديدا. مما كرس ذاك العمل أيقونة روائية تضاف إلى تحف الروايات المصرية. تلك الرواية تدور أحداثها في حي إمبابة في القاهرة تحديداً في منطقة (الكيت كات)، حول عالم مغترب يتغير أبطاله ويعاني كل منهم من همه واغترابه الخاص، شخصيات الرواية أكثر من 115 شخصية، على الرغم من الحجم المتوسط نسبياً للرواية, التي تحولت إلى فيلم سينمائي سمي بالاسم نفسه, في العام 1999, بتوقيع المخرج السينمائي المعروف داوود عبد السيد. الذي حاز عن هذا العمل عدة جوائز منها: جائزة طه حسين , و جائزة كفافيس الدولية عام 2005, وفيما بعد أبدع أعمالا روائية لاتقل أهمية عن (مالك الجزين) مثل: عصافير النيل, حجرتان وصالة, وردية ليل. رداء يوسف، وغيرها.
وبالرغم من كل النجاح الذي حققته له تحفته (مالك الحزين) إلا انه يحب روايته (عصافير النيل) قال عن ذلك: “أولاً لأن الرواية تطرح درجة عالية من الإيمان بالإنسان، وتصوغ موقفها من خلال التغلغل داخل الإنسان نفسه وداخل واقعه بشفافية حساسة تحتوي على قدر كبير من الرومانسية والشوق لخلاص البشر.. صحيح أنني استخدمت في صياغتها تقنيات سردية تقليدية، لكنها في الواقع تترفع نحو رؤية تجديدية شديدة الرهافة، وتسعى للكشف عن الجذور الاجتماعية للبشر.. لقد طرحت الرواية نبض الحياة الحزينة للناس المقهورين في دوامة الواقع مع ربط ذلك بالمراحل السياسية الأربع التي عاشتها مصر، أخيراً.. ويمكن أن تندرج الرواية تحت مفهوم “رواية الأجيال”. وقد رفض أصلان فقال: أحب أن أشير إلى أنني رفضت ترجمة هذه الرواية وبقية أعمالي الأخرى إلى اللغة العبرية؛ لأنني اعتبر الموافقة على مثل هذه الصفقة هي نوع من التطبيع الذي أرفضه شكلاً وموضوعاً وجملة وتفصيلاً؛ لأن الكاتب لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن موقف الجماهير فهو في النهاية منهم وإليهم.
إبراهيم أصلان كانت له رؤيته الخاصة للسرد في الإبداع القصصي والروائي, وعن ذلك يقول: “إن السرد ليس روائياً فقط، فهناك سرد اجتماعي وسياسي وثقافي وديني.. ولكن عيب تلك “السرودات” أنها مهيمنة تواريها المؤسسات في خبراتها.. وأخطر ما فيها هو منطقها، لأن المنطق الأبوي الذي يفكر بدلاً من الناس ويتخيل بدلاً منهم ويحلم على سرائرهم ووسائدهم، أرى أن مهمة الأدب والفنون أن تعمل نقيضاً وخارج عباءة هذه الهيمنة، علينا دائماً استلهام منطق بديل وهو منطق السرد الشفاهي، فهو ليس على الأقل منطقاً أبوياً بأي شكل من الأشكال، فهو أقل قدرة على استلهام كل ما هو جذري..” وعن حياته التي أمضاها في حي شعبي وفقير في ضواحي القاهرة, وان الكتابة وشهرته لم تساعده على الحياة بشكل أفضل والانتقال لبيت يليق بإبداعاته، بكثير من الاختصار يقول: “الحياة في حي شعبي قديم بناسه وأزقته ودكاكينه الشعبية هي في نظري الحياة الحقيقية الاستثنائية التي تنفرد بأشياء كثيرة.. أشياء مختلفة وشديدة الثراء والحيوية والنضوج.. وهذه الأشياء تناسب كاتبا “غلبان” مثلي.. لا تأخذ الأشكال بالظاهر.. فالملل والرتابة موجودة في المدن الكبيرة المتخمة بكل الأشياء.. أما الذي يقول إن الكتابة أو الاشتغال في عالم الكلمة هو مصدر الرفاهية والثراء والتغيير إلى الأفضل، فهو إنسان بعيد عن الصدقية ولا يرى الأشياء على حقيقتها.. لأن الكتابة فعلاً “ما بتوكلش عيش”. وقد أغمض عينيه وذهب إلى نومه الأبدي في كانون الثاني عام 2012.
أحمد عساف