الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

نوافذ 45

عبد الكريم النّاعم

قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: أُدعُ على المشركين، فقال: “إنّما بُعثتُ رحمةً ولم أُبعث عذاباً”، فانظرْ إلى حقيقة معنى الرسالة المحمّدية، في جوهرها الإنسانيّ، والمتطابق مع ماورد من أخلاق الرّسُل السابقين، هذا وكان قد لقي الرسول(ص) من المشركين من العَنَت، والقهر، والإيذاء، ماحفلتْ كتب السّيَر، وذلك جانب رائع من جوانب أسرار الدّعوة النبويّة الشريفة، فقد بُعِث للرحمة لاللعذاب.
هل يوحي هذا بشيء من المقارنة بما فعله مدّعو الإسلام من التكفيريّين ومَن وراءهم، ومَن والاهم؟! وهل قطع الرؤوس، ونكاح الجهاد، واعتماد فنون شيطانيّة من التعذيب والنّكير، والاستعانة بالصهاينة.. هل يمتّ هذا بشيء إلى روح الرسالة؟!!
مرّ الرسول (ص) على قبر مُصعَب بن عمير، فوقف عليه، ودعا، وقرأ: “مِنَ المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا ماعاهدوا اللّهَ عليهِ ، فَمِنْهمْ مَنْ قضى، ومنهمْ مَن يَنْتظرْ، وما بدَّلوا تَبْديلا”، ثمّ قال: “إنّ هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم، فزوروهم، وسلّموا عليهم، والذي نفسي بيده، لايسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلاّ ردّوا عليه”- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد-
هذا ماقاله رسول الرحمة، أمّا أتباع الوهّابيّة التكفيريّة فيرون زيارة القبور والدّعاء شِركاً،!! ويقفون بالمرصاد لمن يريد التبرّك بقبر الرسول والدّعاء عنده، وعليك إمّا أن تصدّق ماجاء عن رسول الخير والمحبّة، وإمّا أن تكون من أتباع قرن الشيطان الذي ذرّ من نجْد!!
ويبدو أنّ للزيارة والطّواف معنى آخر، بحسب الأزمنة، وبحسب تقتّق المصالح، وتقحّم المطامع، فقد ورد عند ابن أبي الحديد المشار إليه آنفاً أنّ الحجّاج ” خطب بالكوفة، فذكَر الذين يزورون قبر الرسول بالمدينة ، فقال: “تَبّاً لهم إنّما يطوفون بأعوادٍ ورِمَمٍ بالية، هلاّ طافوا قصر أمير المؤمنين عبد الملك…”
هكذا بمنظور مَن تخلّى عن كلّ قيمة، سوى قيمة الانتفاع، يُصبح قصر الخليفة، مالك السلطة، والذهب، ومَن يأمر فيُطاع،.. يصبح الطّواف بقصر هذا أفضل من الطواف بقبر رسول الله!!
المؤكّد أنّ طغيان المال، والتمسّح بالذين يملكون شؤون الناس، يجعل البعض يشهدون على أنفسهم بفقدان العقل، والمروءة، والدّين.
بالمقابل ثمّة مَن عُرضتْ عليهم مواقع مغرية، وهم كُثُر في تاريخنا المديد، فرفضوا حتى أنّ بعضهم تحمّل العذاب كيلا يُشارك في مآثم الحاكم القائم، ولعلّ أقربها إلى الذاكرة الآن، مافعله (البهلول)، وكان من فقهاء بغداد، فاستدعاه الرشيد ليُسلّمه القضاء، وهي وظيفة كم انتطح الطامعون من أجل الوصول إليها، فاعتذر البهلول، فلم يقبل عذره الرّشيد، فقال له أمْهلني إلى الغد، فأمهله، فشوهد في الصباح يركب قصبة ويسوقها في الأسواق، فبلغ ذلك الرشيد، فهزّ رأسه وقال: “والله مابه من جنون، ولكنّه فرّ بدينه منّا…”.
aaalnaem@gmail.com