دراساتصحيفة البعث

حرب داخل مجموعة السبع

 

جاء دونالد ترامب متأخراً إلى اجتماع قمة مجموعة السبع في مدينة كيبيك في كندا وغادر مبكراً. وصل الرجل وهو على استعداد للمواجهة، وبالفعل بدأ حرباً تجارية ضد كندا وأوروبا. كان لا بد من أن تنتقل هذه الحرب إلى اجتماع مجموعة السبع. في الواقع لم تكن نوبة غضب ترامب في كندا بلا مبرّر، بالمطلق، فقد سبق للولايات المتحدة أن طلبت ولسنوات من القوى الأوروبية أن تزيد من مساهمتها في تحالفها العسكري “الناتو” الذي يضم 28 دولة، لأن الولايات المتحدة وحدها تدفع 22٪ من ميزانية ذلك التحالف. المعيار الذي وضعته دول “الناتو” هو أن تنفق 2 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على الجيش. حتى الآن، هناك خمس دول فقط تفعل ذلك هي الولايات المتحدة، واليونان، والمملكة المتحدة، واستونيا، وبولندا، بينما تنفق الدول الكبرى الأخرى فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وكندا نصف المعيار المتفق عليه. لا أحد ينكر أن هذه الدول الأخرى ببساطة لا تدفع نصيبها من نفقات حلف “الناتو”. كندا، على سبيل المثال، خصّصت فقط 1.02 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق على جيشها.

أزمة الإنفاق:
جاء ترامب إلى كندا مصمّماً على ربط مسألة الإنفاق العسكري بالمفاوضات التجارية. حتى الآن، كانت الولايات المتحدة مصدر التوسع العسكري الغربي في جميع أنحاء العالم، حيث تنفق الولايات المتحدة على جيشها أكثر من أي دولة أخرى في العالم. كما أن القوى الغربية تعتمد عليها عندما تريد ممارسة الضغط على الأطراف الأخرى، سواء في بحر الصين الجنوبي أم في البحر الكاريبي. إن الولايات المتحدة هي التي تهيمن فعلياً على مهمة “الناتو” في أفغانستان، وهي التي تدير أيضاً الجزء الأكبر من عمليات القصف ضد ليبيا.
قال ترامب إن الولايات المتحدة هي التي تدفع “ما يقارب التكلفة الكاملة لحلف الناتو”، أو على الأقل ما يقرب من التكلفة الكاملة للجهد العسكري الغربي، وترامب ليس أول من اتخذ هذا الحكم، ففي شباط عام 2008، تحدث روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي في إدارة جورج دبليو بوش عن حلف “الناتو” باعتباره “تحالفاً مصمّماً بمستويين”!. قال غيتس في ذلك الوقت: “لديك بعض الحلفاء المستعدين للقتال والموت” و”لديك آخرون غير مستعدين للقيام بذلك”. في حرب “الناتو” على يوغسلافيا 1999 ألقت الطائرات الحربية الأمريكية 83٪ من القنابل، وفي أفغانستان عام 2001 انتشر 75٪ من القوات أمريكياً في تلك البقعة من الأرض.

ألمانيا تتجاوب:
تجاوبت ألمانيا مباشرة مع التهديد الأمريكي، وتعهدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بزيادة الإنفاق العسكري الألماني إلى 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كان هذا بمثابة اعتراف بأن ألمانيا كانت بالفعل تعتمد على الولايات المتحدة. وحتى مع هذا الارتفاع، سيكون الإنفاق العسكري الألماني أقل من الهدف 2٪ الذي حدّدته الدول الأعضاء في حلف “الناتو” في قمة براغ عام 2002، وهو أقل بكثير من معدل الإنفاق في الولايات المتحدة الذي يبلغ 3.61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، هذا ما جعل مايك بومبيو وزير خارجية ترامب ينتقد ألمانيا في قمة حلف “الناتو” الأخيرة، بسبب إنفاقها المنخفض. في المقابل قدّم وزير الخارجية الألماني الجديد، هايكو ماس، دفاعاً غريباً بالقول: “إن ألمانيا تتمتّع بحضور استثنائي من حيث إدراكها لمسؤوليتها الدولية”، أي إنها تنفق أموالها على المساعدات الإنسانية. لم يهدّئ ذلك من غضب بومبيو الظاهر والاستياء في البيت الأبيض.
“الناتو” هو تحالف يحتوي في بنيانه على مشكلة، فقد كانت البلدان التي هُزمت في الحرب العالمية الثانية -ألمانيا واليابان- حذرة من إعادة التسلح إلى مستوى أعلى، وحدّدت ألمانيا إنفاقها العسكري لأسباب اقتصادية وبسبب القلق الذي تبديه فرنسا. ومنذ تأسيس “الناتو” تتولّى الولايات المتحدة الدفاع عن أوروبا للحدّ من أي توتر بين هؤلاء الشركاء الرئيسيين.

قلب التوازن:
اليابان ليست جزءاً من “الناتو”، ولكنها “حليف رئيسي من خارج الناتو”، وهو مفهوم أنشأه حلف “الناتو” للحثّ على التعاون الوثيق في المسائل العسكرية. وكون الدستور الياباني يحظر بناء قوة عسكرية هجومية فإن هذا يتطلب الضغط على اليابان لإعادة النظر في دستورها من أجل زيادة إنفاقها، وهذه مسألة ذات أهمية سياسية كبيرة، ليس فقط في اليابان وإنما أيضاً في كل من الكوريتين والصين.
لقد قلب ترامب التوازن الدقيق، فبدلاً من حثّ حلفاء الولايات المتحدة على زيادة الإنفاق العسكري، دعا ترامب إلى مراجعة إنفاق الحلفاء الأوروبيين في قمة “الناتو”. وكانت الدراما في كندا استعراضاً لذلك. وقال ترامب وفريقه إنه في قمة حلف شمال الأطلسي عام 2014 في ويلز، وافقت الدول رسمياً على رفع إنفاقها الدفاعي إلى 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. الآن، بعد كل هذه السنوات وبعد ربع قرن من التخفيضات العسكرية، من غير المرجح أن يكون الحلفاء الأوروبيون قريبين من المعيار. في الواقع، قالت الحكومة المحافظة السابقة في إسبانيا إنها لن تحقّق الهدف وحتى إنها لن تحاول. هذا الموقف هو ما يزعج الولايات المتحدة!.
قبل قمة مجموعة السبع في كندا، وضع ترامب رسوماً جمركية على السلع المنتجة في كندا والمكسيك وأوروبا والصين. كان من المحتمل أن تواجه معظم بلدان مجموعة السبع مجموعة من الصعوبات الاقتصادية مع هذه التعريفات، لكن المنطق الاقتصادي لهذه التعريفات ليس بنفس أهمية تأثيرها السياسي. اتخذ ترامب موقفاً، وقال إن سياسات حلفاء أمريكا تؤذي العاملين في الولايات المتحدة. على هذا الأساس ستعمل الولايات المتحدة لاستخدام قوتها الاستهلاكية الكبيرة للحصول على صفقة أفضل للعاملين بها.
تمّ إنشاء مجموعة السبع عام 1975 في مدينة رامبوييه الفرنسية، وكان ما جمع ستة بلدان صناعية كبرى هو أزمة النفط، وظهور دول مرحلة ما بعد الاستعمار. في عام 1973، صوّتت هذه الدول ككتلة في الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل نظام اقتصادي دولي جديد(NIEO). وأعلنت أن القواعد التجارية والمالية، التي وضعها الغرب، قد خنقت محاولات هذه الدول للخروج من النظام الاقتصادي الاستعماري الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وتمّ اقتراح نظام اقتصادي دولي جديد (NIEO) كأساس بديل للنشاط الاقتصادي داخل وعبر الحدود.
استخدمت دول مرحلة ما بعد الاستعمار -ذات الاحتياطي النفطي- قوتها المشتركة في العام نفسه لمقاطعة سياسة رفع أسعار النفط. جاءت تلك المقاطعة نتيجة الدعم الغربي لحرب “إسرائيل” ضد الفلسطينيين، واجتمعت قواها الرئيسية: فرنسا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، وألمانيا الغربية، للتآمر ضد دول مرحلة ما بعد الاستعمار. كان هذا هو السبب في تشكيل مجموعة الست، والتي، مع إضافة إيطاليا أصبحت مجموعة السبع.
في الاجتماع الافتتاحي لهذه المجموعة، قال المستشار الألماني الغربي لزملائه إنه على استعداد لتدمير صناعة النسيج الألمانية إذا كان هذا يعني تعزيز النظام الاقتصادي العالمي نيابة عن الرأسماليين الغربيين بشكل عام. كانت اجتماعات مجموعة السبع بعد عام 1975 بمثابة منصة سرية تمكن قادة الغرب من التجمع ووضع سياسة لباقي العالم. عندما تمكنت من الحصول على قدر معقول من اليقين بأن مصالحها ستسير بشكل جيد، أصبحت مجموعة السبع أكثر منطقية، على سبيل المثال في مجموعة السبع جرى النقاش الرئيسي حول وضع جدول أعمال لمنظمة التجارة العالمية التي تمّ إنشاؤها عام 1994.

قومية الاقتصاد:
الآن، مع الأزمة الاقتصادية العالمية التي تسير إلى ما بعد عقدها الأول، فإن فائدة مجموعة السبع ليست واضحة حتى بالنسبة للدول الأعضاء المتواجدين فيها. لقد دفع سقوط التوقعات داخل الولايات المتحدة ترامب للرهان بحظوظه السياسية على قومية الاقتصاد بدلاً من عولمة مجموعة السبع. قومية الاقتصاد هذه هي التي تهدم النظرة العالمية لقادة مجموعة السبع، والذين ما عادوا قادرين على عقد لقاءاتهم الحميمة لتقرير مصير البشرية. إن الحرب الجمركية التي بدأت هي أول طلقة ضد وحدة مجموعة السبع، إذ تشير الحرب الكلامية التي تلت الاجتماع الكندي إلى أنه سيكون من الصعب جمعها معاً. لا يكفي إلقاء اللوم على ترامب وحده في هذا الأمر، على الرغم من أنه، كما وصفته المؤرخة آن أبلبوم، كان “المحفز” لزوال هذا النظام العالمي الذي قاده الغرب بعد عام 1991.
اقترح ترامب في اجتماع مجموعة السبع إعادة دعوة روسيا للانضمام إلى المجموعة. بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، تمّت دعوة روسيا للانضمام إلى مجموعة السبع -أُعيد تسميتها باسم مجموعة الثماني- عام 1997. وتمّ طردها في عام 2014، بسبب الأزمة في أوكرانيا. ومن غير المرجح أن ترغب موسكو بالعودة إلى مجموعة السبع، وبينما كان ذلك الاجتماع ينهار في كندا، اجتمع الروس والصينيون مع حلفائهم الآسيويين في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) التي عقدت في تشينغداو في الصين. كان لهذا الاجتماع توتراته الخاصة، فالهند، على سبيل المثال، رفضت تأييد مبادرة الحزام والطريق التي تقودها الصين. ومع ذلك، كان واضحاً أن نوعاً مختلفاً من العولمة، على الأقل في آسيا، شقّ طريقه متحدياً مجموعة السبع.
ترجمة وإعداد: عناية ناصر