دراساتصحيفة البعث

فساد دونالد ترامب

 

ترجمة: علاء العطار

عن موقع “ذا نيويورك تايمز” 25/8/2018

لم يكن هناك أبداً أي لبس حول عيوب شخصية دونالد ترامب، ولطالما كان السؤال هو إلى أي مدى سيذهب، وما إذا كان سيقف بوجهه الأفراد والمؤسسات الآخرون أو أن يشاركوه الفساد؟!.

عندما بدأت أكتب عن السيد ترامب قبل ثلاثة أعوام، حذّرت زملائي الجمهوريين من قبوله وقبول ترشيحه، وكان أحد شواغلي أنه إن حدث ونجح ترامب، فإنه سيعيد تعريف الحزب الجمهوري على الصورة التي يبتغيها، وهذا ما حدث فعلاً في مجالات مثل التجارة الحرة والأسواق الحرة وحجم الحكومة، وفي مواقف تجاه القومية العرقية وسياسة الهوية البيضاء، وفي التزام أمريكا مع حلفائها التقليديين، وفي نظرة الجمهوريين لروسيا، وبالفعل غيّر ترامب الحزب الجمهوري في العديد من المجالات، لكن أكثر ما غيّره هو موقف الحزب إزاء الأخلاق والقيادة السياسية.

على مدى عقود، أصرّ الجمهوريون، وخاصة المحافظين منهم، على وجود مثل تلك الشخصية في الحياة العامة، وكانوا يتحدثون عن هذا خلال فضيحة بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي، معترضين على فكرة “التحاوُز”، قاصدين التغاضي عن الفساد الأخلاقي في المكتب البيضاوي لأنك توافق على أجندة الرئيس السياسية أو لأن الاقتصاد قويّ.

ومضى السيناتور ليندسي غراهام إلى حدّ القول إن “رمي التهم لا يتعلق بالعقاب، بل يتعلق بتطهير المكتب البيضاوي، وإعادة الشرف والنزاهة إليه”.

كل ذلك تغيّر بقدوم السيد ترامب كرئيس، وأصبح الشرف والنزاهة بالنسبة للجمهوريين أمراً عفا عليه الزمن، ورأينا ذلك مرة أخرى الأسبوع الماضي عندما ورّط محامي الرئيس مايكل كوهين، الذي كان ماثلاً أمام القاضي في المحكمة، بعد أداء القسم، السيد ترامب بنشاط إجرامي، بينما أُدين رئيس حملته السابق في محكمة أخرى بتهم الاحتيال المالي، كان معظم الجمهوريين في الكونغرس إما صامتين أو يدافعون عن السيد ترامب!.

إنه تحوّل مذهل، أحد الأحزاب الذي تحدث ذات مرة بإلحاح وقناعة واضحة عن أهمية القيادة الأخلاقية، الأمانة، النزاهة، الشرف، الحشمة، الأخلاق الحميدة، ترسم مثالاً رائعاً، قام بربط مصيره بالفرد الأكثر فساداً من بين الرؤساء السابقين، بعضٌ من الذين تمّ انتخابهم رؤساء كانوا مجردين من المبادئ في مجالات معيّنة، الزندقة، الكذب، الحيل القذرة، الجرائم المالية، لكننا لم نواجه من قبل فساداً أوسع نطاقاً مثل الذي نشهده في حقبة دونالد ترامب.

وبالنسبة لكثير من الجمهوريين، هذا الواقع لم يكسر طوق الجمود بعد، لكن الحقائق التي لا تخترق أسوار صومعة إيديولوجية ما تبقى حقائق رغم ذلك، وإدانة السيد ترامب الأخلاقية هي أمر جدّ واضح. لقد كان الفساد واضحاً في حياة ترامب الخاصة والعامة، في كيفية تعامله مع زوجاته، وفي تعاملاته التجارية وعمليات الخداع، وفي كذبه ووحشيته المرضيّين، وفي تنمره ووقاحته. (يشير السيناتور بوب كوركر، وهو جمهوري، إلى التعليقات التي يقوم بها الرئيس على أساس العرق بأنها “محفزٌ أساسي”) فساد السيد ترامب متأصل، وناتج عن عادات استمرت معه طوال حياته، وواهمٌ من اعتقد بأنه سيتغيّر للأفضل حالما يصبح رئيساً.

بعض منا ممن كان جمهورياً طوال حياته وعمل سابقاً في ظل إدارات جمهورية كان يعقد آمالاً ضعيفة بأن يقول حزبنا في مرحلة ما “كفى!”، كردّ على ترامب إذا ما تعدّى خطاً ما، وحدّاً ما لينتهكه، ومعياراً يحطّمه، وحاجزاً مدنياً يقتلعه، وإجراء يتخذه، ودسيسة أو فضيحة قد ينخرط فيها، وقد تدفع أعداداً كبيرة من الجمهوريين للانفصال عن الرئيس، لكن للأسف لم يحدث ذلك، لذا أصبح فساد ترامب فسادهم، وحتى الآن لم يتبيّن لفساده قاعٌ، وقد يكون هذا القاع غير موجود بتاتاً، كان بالإمكان أن يتوضح ذلك لي في وقت أبكر، وأن أكون غافلاً عن بعض الوقائع التي كان لازماً أن أنتبه لها.

بأي حال من الأحوال، إن ارتباط الحزب الجمهوري الوثيق بالسيد ترامب له ثمن مكلف، فهناك النفاق الذي أصبح ميزة لدى المراتب العليا، والقدرة المبدّدة على تبجيل الشخصية العامة أو انتقاد الديمقراطيين الذين يفتقرون إليها، والأضرار التي لحقت بالحركة الإنجيلية البيضاء، التي احتشدت بحماس حول ترامب فساءت سمعتها نتيجة لذلك، كما من المرجح أن يكون هناك ثمن ندفعه في الانتخابات في تشرين الثاني.

لكن أكبر الأضرار لحق بثقافتنا المدنية وسياستنا، فترامب والحزب الجمهوري يمثلان حالياً رمز الفساد الأساسي في الحياة السياسية الأمريكية، وتجريد الآخرين من الإنسانية أصبح موضة، والحقيقة نسبية، (بكلمات محامي ترامب، رودي جولياني، المشينة “الحقيقة ليست حقيقة”)، إنهما يجردان السياسة من نبلها وهدفها السامي.

الأمر لا يتوقف على السياسة، فلطالما كانت المصلحة الشخصية عاملاً، لكن إن كانت السياسة تتمحور فقط حول السلطة التي لا تحكمها الأخلاق، أو كانت تتعلق بالحكام الذين يحكمون بشريعة الغاب، أو حول أمير يتصرف كالحيوان، على حدّ تعبير ميكيافيلي، فإن المشروع بأكمله سينهار، وعلينا أن نفرّق بين القادة غير المثاليين والقادة الفاسدين، ونحن بحاجة لاستنباط مفردات جديدة للقيام بذلك.

وأحذّر أصدقائي من الجمهوريين أن الأسوأ لم يأتِ بعد، والفضل في ذلك يعود إلى روبرت مولر، وهو موظف حكومي بارز، وليس قائداً لمجموعة “غروب أوف آنغري ديموكرات ثاغز”، وسنكتشف طبقات أعمق وأعمق لفساد السيد ترامب، وعندما يحدث ذلك، أتوقع أن يكشف ترامب المزيد حين يشعر أنه محاصر أكثر، وأكثر يأساً، وأكثر غضباً، وسيصبح سلوكه أكثر انحطاطاً واختلالاً وخبلاً.

سيبقى معظم الجمهوريين، بعد أن ألقوا بقبعاتهم المزيّنة بعبارة “اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً”، مع ترامب حتى النهاية. هل كان التخفيض الضريبي وإلغاء القيود وتعيين المحكمة يستحق كل هذا؟!.