رأيصحيفة البعث

الخواصر النازفة..؟!

 

إن لم يكن التهريب بالظاهرة الجديدة، لا يعني أن علينا الاستسلام للواقع، والانتقال بهذا العنوان البغيض إلى بند المسوّغات وشماعات الفشل، في محاضر الاجتماعات وتوصيات ندوات العصف الذهني، وكأنه قضاء مسلّط لا فكاك منه؟!.
بالأمس بدأ الضجيج الذي لم تهدأ تردداته بعد، بخصوص إعادة فتح المنافذ الحدوديّة، وما تتسبب به من خلخلة للتوازن السلعي في السوق المحلية، وغاص بعضهم في التفاصيل لدرجة التحرّي عن موجودات حقائب المسافرين المغادرين، وهو ما نسميه التصدير بصحبة مسافر، ورغم دقّة وجزئية هذه القناة التصديرية، إلّا أنها كانت حاضرة وبقوّة على طاولات الحوار والجدل وحتى تنازع الآراء.. لكن أحداً لم يتطرّق إلى إشكالية “التصدير تهريباً”، التي ستخلط كل الأوراق الجاري ترتيبها حالياً بشأن تجارتنا الخارجية وعلاقاتنا مع الجوار؟.
منعنا تصدير الخبز، لكن خبزنا يسافر خلسة إلى موائد جيراننا، لا سيما في القرى والتجمعات السكنيّة الحدودية، ومنعنا تصدير اللحوم عبر البوابات الرسميّة، إلا أن اللحوم السورية تغادر راجلةً على أقدام الماشية المهرّبة بقيادة متخصصين و”أبناء كار” مخضرمين.. وتتحدّث التسريبات عن وقائع مقلقة لأرقام صادرات المواشي السورية المهرّبة، من مرفأي بيروت وطرابلس إلى بلدان الخليج، وبعضها يجري ترحيله أسبوعياً على متن طائرات مخصصة لنقل الماشية.. لن نورد الأرقام لأننا لا نتبناها، لكن المعطى بالغ الأهمية، ولا يملك أحد على الإطلاق نفيه!..
لنتخيّل كم هي الخسارة المترتبة عن تهريب كل رأس غنم عواس، مدعوم في حظائر المربين علفاً وعلاجاً ورعاية، ولدى مديرية الصحة الحيوانية في وزارة الزراعة أرقام مذهلة عن مبالغ تكاليف رعاية القطيع، وكم هو حجم الخسارة التي يرتبها تهريب كل “ربطة” خبز مدعوم للاستهلاك المحلي، تكلّف 200 ليرة، وتباع بـ 150 ليرة؟!..
وللمشتقات النفطيّة حكايتها المملّة والمزمنة، وهذا يعني أننا معنيون بإلحاح ودون تأخير في إيجاد حل أو حلول جذرية للظاهرة، وربما نحتاج إلى معالجات في أكثر من مسار، وهي بالتأكيد ذات بعد فنّي وتشريعي، حيث ثبت أن الخيار “البوليسي” غير مجدٍ كثيراً.
بالنسبة للخبز والمشتقات النفطية، وهما المادتان اللتان تتصدّران واجهة النشاط التهريبي السلعي، ولا يمكن بتر الظاهرة  بالنسبة لهاتين المادتين إلا عبر إرساء حالة توازن سعري مع الجوار، وتسديد مبالغ الدعم نقداً لكل أسرة، وفق دراسات وسيناريوهات نظن أنها جاهزة جرى إعدادها في السابق، ولو فعلنا ستُحل الإشكالية تماماً، بل نحن على يقين بأننا سنحقق وفراً في مبالغ الدعم، على اعتبار أن أسعار السلع المدعومة رخيصة، وتحفّز المبالغة بالاستهلاك.
أما بالنسبة للثروة الحيوانيّة، فهي ثروة بكل معنى الكلمة، وتهريبها يعني ضياعات هائلة لسنا بحاجة لحساب قيمها المادية، لنتأكّد من حجم الخطر والنزيف الحاد الذي يلهب خواصر اقتصادنا.. وهنا ليس من المتاح العمل على ضبط التوازن السعري، والحل الوحيد سيكون بتشريع جزائي ومدني رادع، يطال من هرّب ومن سهّل ومن نقل، ولا يستثني الضابطة الجمركية المسؤولة عن منطقة العبور، لأن منافذ التهريب تقليدية غير مجهولة، يعرفها رجال الجمارك تماماً، وعندما تكون العقوبات مؤلمة لن يجرؤ أحد على المغامرة.
هي أولويات ملحّة لا بد من إنجازها قبل أي حديث أو خطّة عن سياسات وروزنامات تصدير، أو إدارة المنافذ الحدودية.. فهذه الأخيرة شرعيّة تحت السيطرة تماماً، إلا أن العبرة في ضبط المعابر غير الشرعية.
إننا لا نقترح مستحيلات، بل ضرورات وواجبات وطنية، واستحقاقات لا تقبل ” تخفيف الوزن”، لأننا على أبواب ترميم حقيقي لبُنانا الاقتصادية، وليس مجرد رسم على الورق، وسنختم بحكمة أعجبتنا تقول: “سأل الممكن المستحيل أين تقيم، فأجابه: في أحلام العاجزين”، ونحن لسنا كذلك بكل تأكيد.
ناظم عيد