تحقيقاتصحيفة البعث

الزيادات القطاعية للرواتب حلول مجتزأة.. واستثناءات مفتوحة على احتمالات بغيضة

 

حالة من الجدل الواسع أثارتها التصريحات الأخيرة حول زيادة الأجور القادمة، والتي ستشمل قطاعات التربية، والتعليم، والقضاء بهدف رفع المستوى المعيشي، الأمر الذي أثار تساؤلات كبيرة عن جدوى هذه الزيادة التي تشمل قطاعات معينة دون أخرى، لاسيما أن ارتفاع الأسعار رافق خبر زيادة الرواتب لقطاعات معينة، والذي كان من المفترض أن يشمل جميع شرائح المجتمع التي تنتظره بفارغ الصبر، لعل وعسى تستطيع زيادة الرواتب انتشالهم من الفقر وتردي الوضع المعيشي الذي رافقهم على مدار سنوات الأزمة.
فجوة
لم يلق هذا التصريح قبولاً من جميع المواطنين، بمن فيهم شريحة المعلمين، وأساتذة الجامعات، إذ وجدوا فيه تمييزاً، ومحاولة لخلق فجوة بين المواطنين الذين عانوا جميعهم من الظروف المعيشية الصعبة، وبالتالي من الأجدر زيادة الرواتب بشكل متساو بين الجميع، لأن زيادة الأسعار التي بدأت تدريجياً تطال جميع السلع ستعاني منها جميع قطاعات البلد، وليس فقط قطاع التعليم والقضاء، وفي المقابل رفضت شريحة أخرى موضوع زيادة الرواتب لجميع المواطنين في ظل عدم قدرة الجهات المسؤولة عن ضبط الأسعار، ومراقبة حالة فلتان الأسواق، مؤكدين أنه من الأصح أن تقوم الجهات المعنية بمراقبة الأسواق وخفض الأسعار بدلاً من زيادة الرواتب التي ترافقها زيادة في الأسعار بأضعاف مضاعفة، كذلك الأمر لدى أصحاب المهن والورش الذين لا تطالهم من زيادة أجور العاملين في الدولة، سواء لشرائح معينة، أو لجميع العاملين في الدولة، سوى زيادة أسعار السلع والمحروقات، وبالتالي يصبحون ملزمين بدفع سعر المواد مضاعفة، رغم أنهم لم يحصلوا على زيادة في أجرهم، ما يدفع أصحاب المهن والورش لرفع أجرة يدهم في عملهم تحت مقولة: “لا ناقة لنا ولا جمل في هذه الزيادة”، بل على العكس سترتفع علينا أسعار المواد التي نستعملها، متساءلين عن قيام الجهات المعنية بالنظر من عين واحدة، متناسين أن بقية العاملين في الدولة هم عماد مؤسسات القطاع الحكومي، وأن هذا القرار يهدف لتمييز فئة عن أخرى، وهذا بحد ذاته يخالف القاعدة الدستورية التي تنص على أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون.

هاجس
لم يعتبر اتحاد نقابات عمال سورية وجود شيء رسمي بهذا الخصوص، حيث أكد إبراهيم عبيدو نائب رئيس الاتحاد على أن العمال يشكّلون الشريحة الأكبر في المجتمع، ويشكّل تحسين الدخل والوضع المعيشي لهم هاجس عمل الاتحاد على مدى سنوات الأزمة، لذا فإنه في حال صدرت هذه الزيادة لقطاعات معينة بعيدة عن شريحة العمال سيكون لاتحاد العمال موقف من هذه الزيادة، لأن العمال هم الشريك الأساسي للقوات المسلحة في تحقيق النصر من خلال تأمين عوامل الصمود، وتوفير الأمن الغذائي للمواطنين، ولأن شريحة العمال من أهم الشرائح التي واجهت المؤامرة، فقد كان مطلب اتحاد العمال في جميع لقاءاته ومؤتمراته من الحكومة زيادة رواتب هذه الشريحة، مضيفاً بأنه قد تكون للحكومة ظروفها، لكن تحسين مستوى المعيشة مطلب لجميع شرائح المجتمع التي تعاني من وضع معيشي ضاغط من حيث توفير مستلزمات الحياة، وبالتالي يجب على الحكومة تشميل الجميع في هذه الزيادة المرتقبة.

إثارة للبلبلة
واستشهد د. إبراهيم العدي، “كلية الاقتصاد”، بقول الشاعر أبي العلاء المعري: فلا هَطَلَتْ عَلَيّ ولا بأرْضي سَحائبُ ليسَ تنْتَظِمُ البِلاد، معتبراً أن صدور مثل هذه الزيادة أمر غير منطقي، فالزيادة القطاعية تثير البلبلة والضغينة بين فئات المجتمع، مؤكداً أن مجتمعنا يحوي الكثير من الانقسامات نتيجة الأزمة، وواجبنا تخفيف هذه الانقسامات لا زيادتها، واعتبر العدي أن سورية تمتلك جيشين صمدوا خلال الأزمة هما الجيش السوري، وجيش العاملين في الدولة، وموضوع زيادة الرواتب هو قضية سياسية، اقتصادية، اجتماعية يجب الأخذ بجميع أبعادها قبل صدورها، مؤكداً على ضرورة وجود فريق اقتصادي مهني يدرس واقع الاقتصاد السوري، ويحدد هويته، وتحدث العدي عن ضرورة تخفيف التضخم، إما بزيادة الرواتب، أو بتخفيض الأسعار الذي للأسف تعجز عنه الجهات المعنية، وبالتالي يبقى الخيار الوحيد هو الزيادة الشاملة للجميع، واستنكر العدي ما يشاع عن أن زيادة الرواتب هي الوحيدة التي تقف وراء زيادة الأسعار، فهناك عوامل عديدة لزيادة الأسعار أهمها انخفاض سعر الصرف، وزيادة الطلب الكلي، وارتفاع أسعار المستوردات، وزيادة الكتلة النقدية، وانخفاض العرض السلعي، والاحتكار، وزيادة الطلب الكلي، واقتصاد الظل، إضافة إلى ارتفاع الضرائب، وبالتالي فإن زيادة الرواتب هي واحدة من جملة عوامل ارتفاع الأسعار، كما أن فرضية زيادة الرواتب، وأنها العامل الوحيد للتضخم، هي فرضية خاطئة، وغير منطقية، وغير مقبولة، وغير قابلة للبرهان.

فجوة اقتصادية
بدوره لم يجد محمد كوسا، “خبير اقتصادي”، في زيادة الرواتب لقطاعات دون أخرى أية مشكلة، حيث أكد أن الرواتب الحالية في القطاع العام تحتاج إلى رفع حقيقي، بما يتناسب وتلبية الاحتياجات الأساسية للأفراد، أو الأسر، في ظل الأسعار الحالية للسلع والخدمات، وفي ظل الأجور الحالية للمهن الحرة، بحيث يمكن بعدها اتباع سياسة الزيادة للقطاعات المختلفة، كلاً حسب الكفاءة، والمقدرة، والموقع الإنتاجي، هنا يمكن أن نصل الى العدالة الوظيفية في الحصول على الرواتب والأجور، وحصراً يجب ربط الزيادة بمتممات الراتب أو الأجر، وهي الحوافز والمكافآت، والأهم التعويضات، لذا يجب رفع هذا الدخل بما يتناسب مع الحد الوسطي للاستهلاك، وبعدها ننطلق للعدالة الوظيفية في منح الرواتب والأجور، ونوّه كوسا إلى أن الموظفين في العمل ليسوا سواسية، فهناك من حصل من العلم والمهارة والخبرة الكثير، ولا يقارن وضعه بمن حصل على الدرجة العلمية نفسها، ولم يكتسب هذه المهارات أو الخبرات ليكون له الراتب أو الدخل نفسه، وأكد كوسا أنه من الأجدى أن تكون هناك دراسة واضحة، واعتماد منهجية تشريح لجميع القطاعات، وأن تأخذ بالاعتبار الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه القطاعات التي تشملها الزيادة على الاقتصاد، والتنمية الاقتصادية، وفي حال اتبعت الحكومة هذا النوع من زيادة الدخل لقطاعات دون أخرى ستعمق الفجوة الاقتصادية طبقياً، وأكد كوسا أن الغاية من الزيادة هي رفع مستوى المعيشة، والقدرة الشرائية للدخل، وشدد كوسا على ضرورة أن تكون زيادة الرواتب متعددة مركبة غير متاحة للعبث فيها، واستغلالها من قبل التجار، وأن تكون مدروسة من قبل وزارتي المالية، والاقتصاد، وهيئة تخطيط الدولة بشكل دقيق ومتكامل بهدف الخروج بزيادة حقيقية، والسيطرة على الأسواق، وسعر الصرف، مع ضمان استمرارية هذه الزيادة، وتجنب الآثار التضخمية التي وصلت اليوم إلى سقف لا يمكن تحمّله في ظل الدخل الحالي.

يد رادعة
لم تعد الزيادة في الأجور هي ما ينتظره المواطن السوري، بل باتت الإشاعة التي تسبقها تشكّل كابوساً ثقيلاً يجعل المواطن يرتاب من الارتفاعات في الأسعار التي ستسبق هذه الزيادة وتليها، إذ يبدأ التجار الجشعون وضعاف النفوس بتكديس السلع في المخازن، ثم عرضها للبيع بعد صدور الزيادة بسعر جديد ليتضاعف ربحهم، لذا نحن اليوم، وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة التي نمر بها، بحاجة كبيرة لزيادة في الأجور، ولكن بحاجة أكبر لوجود يد رادعة للمستغلين والتجار وضعاف النفوس الذين يعيشون على استغلال المواطن، والتلاعب بقوته اليومي، وهنا لابد من وجود رقابة على الأسواق، ومنع أصحابها من تجاوز الأسعار التي ترتفع مع ارتفاع سعر الصرف، ومع شائعات زيادة الدخل، ولا تنخفض مع انخفاض سعر الصرف، ومع تلاشي شائعات الزيادة!.
ميس بركات