الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

“ملامح من حياة منذورة للكفاح”.. جديد د. نجاح العطار

 

 

 

“حين اختارني الرئيس الراحل الكبير لأكون أول وزيرة في تاريخ سورية للثقافة بالتخصيص، ودعاني لمقابلته، كنت أحسب أن هذا اللقاء سيعطيني فرصة أن أستمع إلى قائد سياسي وعسكري كبير يرسم حدود العمل الذي نشتاق إلى التعرف إليه أكثر فأكثر..”.
هكذا قدمت د. نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية لكتابها الجديد الذي يحمل السمات الهامة والأساسية للفترة التي تسلمت فيها وزارة الثقافة في واحدة من أهم المراحل التي مرت بها سورية.
والأهم كان في التصورات التي حملها لقاؤها الأول بالقائد الراحل: “مفاجأتي كانت كبيرة جداً حين بدأ يحدثني عن تصوراته لإستراتيجية بعيدة الأغوار، وعن إيمانه بأن الرهان على الثقافة يكون في وجه غزو الثقافات الوطنية بغية السيطرة عليها، وعن ضرورة توفير المقومات لنهضة فكرية نحتاجها مع احترام الجوهر التاريخي لوجودنا الوطني والقومي في فضاء رحب من الوعي المتنامي”، وهو تقديم حمل بعض ومضات من حياة حافلة عاشت لحظاتها الحاسمة بالفكر والقلب والضمير في ظل ربّان أسطوري كبير قاد سفينة الوطن إلى شاطئ السلامة.
مجموعة كبيرة من المقالات والمقابلات المهمة المنشورة في الصحف السورية والعربية تضمنها الكتاب وتحمل جميعها توقيع د. العطار، بدأتها بعنوان حول “أدب الحرب وكيفية الوصول إلى كتابته”، ذلك أن “السؤال المطروح بصيغته: كيف نكتب أدب الحرب؟ قد تخطى بنا المنزلق، ووضعنا على أرض صلبة، وجعل من مهمتنا أن نبحث، لا في وجود أدب الحرب أو لا وجوده” ليأتي رأيها بأن الأهم والأجدى يكون في “كيفية إيجاده حتى إذا لم يكن موجوداً”.
تتوالى العناوين تحمل أسماء الصحف والمجلات ودور النشر عبر مجموعة واسعة من الحوارات والمقابلات التي أجريت معها، من حوار مع جريدة القبس الكويتية حول اختيارها كامرأة لتنكّب مهمة وزارة الثقافة، والتي أوجزت أهميتها في “إفساح المجال لها لتأدية خدمات جديدة وطنية وثقافية واجتماعية، في حقل جديد”، وكـ “دليل ساطع على تقدمية الحكم، وبرهان أكيد على الثقة بالمرأة، لا قولاً فقط، بل فعلاً أيضاً”، إلى الدستور الأردنية فالديار اللبنانية وجريدة البناء وحوار حول دور الثقافة في بناء الدولة، وأولوية الثقافة في تأهيل المجتمع لانتصار حاسم في وجه صراع مصيري وتاريخي وحضاري مع إسرائيل حيث تلعب الثقافة “دوراً بارزاً في إيضاح عدالة قضيتنا، وفي كشف وجه الصهيونية المحتلة الباغية، وتعرية عدوانيتها وتوَسعيّتها وسعيها إلى تثبيت استعمارها الاستيطاني”، ثم حوارات متتالية مع الوثبة الإماراتية ومجلة الصياد والموقف الناصري والأهرام المصرية فمجلة الكفاح العربي، حيث تنداح الرؤية حول ميثاق العمل القومي بين سورية والعراق، وانعكاسات الحدث على الوضع الثقافي بين القطرين، وبالتالي على الوضع الثقافي بين الأقطار العربية الأخرى، وإلى أي مدى تتيح السياسة للثقافة حرية التعبير، والتفاعل المتبادل ما بين الثقافة والسياسة، وضرورة العمل لأجل “ثقافة وطنية قومية تكون في مناصرة سياسية وطنية قومية”.
وحمل الحوار مع مجلة فيروز النسائية اللبنانية تقييم د. العطار لدورها ونتائج عملها في الوزارة، وصعوبات العمل الثقافي كونه عملاً إبداعياً ونتاجاً فكرياً، والنجاح الذي أرجعته للمرأة السورية والعربية عموماً برغم الانتقاصات لكفاءات المرأة وقدراتها على الحكم والإدارة والإبداع التي طالما عانت منه في مجتمعاتنا الذكورية.
وبعد سنوات سبع من التجربة الوزارية، حمل حوارها مع جريدة القبس الكويتية تساؤلات حول الطموحات والأحلام الخاصة والقناعات التي بقيت تتمسك بها بينما لم تنقطع عن تحقيق طموحاتها كأديبة وكاتبة، تلك التي تكاملت عبر مواظبتها العمل كناقدة في الاجتماع والسياسة، وكتابة المقال الأسبوعي، مع الإشارة إلى بروز المقال السياسي أحياناً على حساب الدراسات الأدبية برغم عدم توقف النشاط في هذا الاتجاه، إضافة إلى حوارات أخرى كثيرة منها حوار مع جريدة تشرين السورية وحديث مع مجلة صوت العروبة والإسلام الصادرة في بلجيكا حول دور الوزارة في إحياء التراث الإسلامي الذي تمت ترجمته إلى واقع وعمل انطلاقاً من الإيمان بأن “حاضر أمة من الأمم يكبر بالتواصل مع ماضيها، وحاضرنا الثقافي يكبر بماضينا التراثي الغني الذي ينبغي أن نجلوه ونبرزه، وننهل منه لخير ثقافتنا الراهنة، كي يكون التواصل في حضارتنا سبيلاً إلى إبراز شخصيتنا العربية ووجودنا العربي”.
الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة – الهيئة العامة السورية للكتاب، جاء ليشكل جهداً توثيقياً ضرورياً وعلى غاية من الأهمية في مرحلة نحن أحوج ما نكون فيها إلى الإمعان في مرحلة تاريخية تكاد تكون متكاملة على ذاتها، وهي تصنع اليوم جوهر صمودنا واستلهامنا وقدرتنا على مواجهة أعتى هجمة يمكن أن يتعرض لها بلد لعل أهم ما يميز شعبه أنه واع ومدرك تماماً لهويته الوطنية ويستمد قدرته على المقاومة من التسلح العنيد بها.