ثقافةصحيفة البعث

أسمهان في ذكرى وفاتها.. في “موسيقا الزمن الجميل”

 

رائعة” ليالي الأنس بفيينا” مع رقصات الفالس كانت حاضرة في الذكرى الخامسة والسبعين لوفاة أميرة الطرب أسمهان في محاضرة موسيقا الزمن الجميل التي يقدمها الباحث وضاح رجب باشا في المركز الثقافي العربي –أبو رمانة- والتي تميّزت بأجمل الفيديوهات لأغنياتها، ودمج فيها الباحث بين التحليل الصوتي والموسيقي والسيرة الذاتية لأسمهان التي غيّرت في تاريخ الغناء العربي بقدرتها على حبس النفس وتأدية الجمل الغنائية الطويلة، وحققت إنجازات فنية خالدة رغم حياتها القصيرة ووفاتها بحادثة غامضة بقيت موضع تساؤلات حتى الآن؟
بدأ المحاضر بالحديث عن أسمهان التي وجدت في زمن العمالقة عبد الوهاب وأم كلثوم ونجاة علي وفرضت حضورها بصوتها القوي النقي، الذي صنفه النقاد بأنه معجزة رغم حياتها الفنية القصيرة التي لاتتجاوز ثلاث عشرة سنة من عام 1931حتى وفاتها غرقاً إثر الحادث في عام 1944، وقد تعاملت أسمهان مع عدد من الشعراء منهم أحمد رامي وبيرم التونسي ومأمون الشناوي، كما تعاملت مع قلة من الملحنين القصبجي ومدحت عاصم والسنباطي الذي قدم لها لحنين فقط، أحدهما” يالعينيك” والعدد الأكبر من أغنياتها كان من ألحان فريد الأطرش، إلا أن رائعة ياطيور للقصبجي كانت الأقوى برأي الباحث، إضافة إلى غنائها من الشعر العربي.
وعاد الباحث إلى ولادة أميرة الجبل على متن باخرة قادمة من استانبول إلى الساحل السوري عام 1912 إثر عودة عائلة آمال الأطرش إلى الجبل بعد خلاف والدها الأمير مع السلطات العثمانية ومن ثم انضمامه إلى الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، ثم لجأت والدتها الأميرة علياء المنذر مع أولادها الثلاثة (فؤاد وفريد وآمال) إلى لبنان ومن ثم إلى القاهرة، وبدأت آمال تعلم أصول الغناء وهي في المدرسة منذ أن كانت في العاشرة، ثم غنت مع أخيها فريد في صالة ماري منصور.

السرّ في عينيها
ورأى الباحث باشا أن نجاح أسمهان يعود إلى قوة صوتها، فبناء على نقاد تصنيف الجمال لم تكن جميلة لوجهها المستطيل وذقنها البارزة وأنفها الطويل، إلا أنها كانت جذابة وتملك سحر الأنوثة والسر والعجب بعينيها الخضراء المشوبتين باللون الأزرق وبأهدابها الطويلة، ويبدو سرّ أسمهان بنظراتها الشاردة بالفضاء مما يوحي بغموض شخصيتها، حتى أطلق عليها سارحة الطرف.
وتوقف الباحث عند تحليل موال”ياديرتي” ألحان فريد الأطرش الذي وصفه المحاضر من أصعب المواويل وأطربها، وبيّن براعة أسمهان بالتوقفات عند الدرجات الموسيقية لاسيما في الجواب لمقام السيكا والجمل اللحنية القوية لفريد، ليحلل الباحث طبقة صوت أسمهان الذي يصنف بميزو سوبرانو، أي ليس حاداً ولا متوسطاً، ورغم ذلك استطاعت أن تؤدي الدرجات اللحنية الحادة جداً.
ثم انتقل إلى أغنية أهوى التي استخدم فيها مأمون الشناوي الجناس في أهوى وقهوة، وكانت محببة جداً إلى عشاق أسمهان” يامين يقولي أهوى اديه بإيدي القهوة” ألحان فريد الأطرش، واستطاعت أسمهان بنفسها الطويل أن تؤدي الجملة اللحنية الطويلة التي كتبها فريد لأكثر من سبعين ثانية.
أما القصبجي الذي جدد بالجمل اللحنية الموسيقية الشرقية -كما ذكر الباحث- قدم لأسمهان ألحاناً متميزة تناسب صوتها، ففي أغنية”ليت للبراق عيناً” تنقل بين خمسة مقامات على مدى خمس دقائق بجمل لحنية مترابطة، وفي أغنية” أنا اللي أستاهل” بفيلم غرام وانتقام نوّع القصبجي ببراعة بالانتقالات بين المقامات لاسيما النهاوند والرصد ودرجاتهما لينشئ خلال امتدادات لسبع ثوان مقاماً جديداً، وتمكنت أسمهان من استيعاب التنقلات وتأديتها بحرفية عالية، خاصة بمقطع”لما همت روحي على قربه راح مخاصمني”. ونوّه الباحث إلى أنه في بداية الأربعينيات دخلت الإيقاعات الغربية للموسيقا الشرقية مثل الفالس والتانغو والرومبا والشتشا، وفي رائعة أسمهان”ليالي الأنس بفيينا” استخدم فريد إيقاع الفالس بطريقة شرقية، وأدخل نغمات الغيتار والإيقاع الغربي في”افرح وامرح” ضمن توليفة اللحن والامتدادات مع الوتريات والقانون.

الغناء الأوبرالي
وتوقف الباحث عند رائعة أسمهان”ياطيور” ألحان القصبجي وإشادته بالغناء الأوبرالي لأسمهان وبتقطيع الصوت وتوظيف آهات الفوكاليز، ليصل إلى أن أسمهان في هذا المنولوج وظّفت كل قدرات صوتها بالأداء ولم يستطع أحد أن يقلدها حتى الآن وكانت في السابعة والعشرين من العمر، مما يؤكد معجزة صوتها بنقائه وقدرتها الفائقة على الامتدادات الطويلة والانتقالات الصوتية، والفواصل الصغيرة الصوتية بالتناوب مع الكمنجة. وأشار الباحث إلى أن أسمهان دخلت عوالم السينما بفيلم انتصار الشباب ولحن أغانيها فيه فريد الأطرش، وفيلم غرام وانتقام الذي عُرض بعد وفاتها، كما شاركت بالغناء فقط بأغنية”يا حبيبي الحقني شوف اللي جرالي” بفيلم زوجة بالنيابة، وبفيلم يوم سعيد مع عبد الوهاب وغنت معه أوبريت مجنون ليلى، وبيّن أن أسمهان دخلت السينما إثر انتشار ظاهرة الفيلم الغنائي والذي يعتمد على الأغنية أكثر من حركة الممثل، لذلك أسمهان لا تصنف ممثلة.

حادثة قتلها
وخلال المحاضرة تحدث الباحث عن حياة أسمهان الشخصية إذ تزوجت من ابن عمها الأمير حسن الأطرش في عام 1933عادت إلى جبل العرب ورزقت بابنتها كاميليا، إلا أن عشقها للفن حال دون استمرار هذا الزواج فعادت إلى القاهرة عام 1939، وتزوجت من المخرج أحمد بدرخان بعقد عرفي، ثم تزوجت من المخرج أحمد سالم الذي حاول قتلها بالرصاص لغيرته الشديدة، وتوفيت إثر الحادث غرقاً بالترعة ومازال الغموض يحيط بالحادثة ومازال السؤال دون إجابة من القاتل؟؟ هل زوجها الثالث أم الأول أم المخابرات البريطانية التي طلبت التعاون معها ضد الفرنسيين في سورية أم أم كلثوم؟؟
ملده شويكاني