أخبارزواياصحيفة البعث

كيف تحوّل «الثقل العربي» من القاهرة ودمشق وبغداد إلى الخليج؟؟…( إسهام في النقد الذاتي)…

د. مهدي دخل الله

لو أن عربياً غاب عن الوعي في بداية الستينيات، واستعاد وعيه اليوم لضرب رأسه بكلتي يديه ذهولاً وهولاً مما يراه في وضع «الوطن العربي» اليوم..

عندما غاب عن الوعي كانت القاهرة ودمشق وبغداد هي العواصم الثلاث التي تمثّل العرب، ومنها ينطلق «صوت العرب» وتوصف حالهم، وفي هذه العواصم كان «الثقل العربي» الحقيقي، وما بقي مجرد هوامش.

«الثقل العربي» استراح في حضن العواصم الثلاث مذ كان للعرب وجود في التاريخ. هنا ولدت الدول العربية الكبرى، الأموية والعباسية والفاطمية. وهنا، في هذه الديار، شواهد تاريخ العرب العاربة، وما قبل العرب العاربة من حضارات وثقافات مازال عصرنا يدين لها بالكثير من أسس معارفه وفلسفاته..

في الستينيات إذا سألت أحداً في العواصم الثلاث عن دبي وأبو ظبي وقطر، فلن يعرف عمّ تتحدث. كانت الكويت فقط قد بدأت تظهر على الساحة العربية بخجل، أما مملكة آل سعود، فكانت عبارة عن أرض الحرمين التي لم تكن قد تمسكت بأسباب النهضة بعد..

كانت مشكلات العرب تحلها وتديرها، بل وتسببها، جيوش العواصم الثلاث. جيش مصر في اليمن لنصرة الثورة، والجنود المصريون والسوريون على الحدود الكويتية العراقية لحماية الكويت من عبد الكريم قاسم. المصريون والسوريون يدعمون ثورة لبنان 1958، ويصنعون أول وحدة عربية، ويبثون الرعب في عروق الصهاينة..

اليوم انقلب كل شيء.. أصبحت الدوحة والرياض وأبو ظبي العواصم التي تتحدث باسم العرب وعن العرب، وتراجع دور القاهرة ودمشق وبغداد، فالقاهرة تم إسكات حنجرتها القومية منذ كامب ديفيد وفوق نيلها يرتفع العلم الصهيوني، وبغداد اجتاحتها القوات الأمريكية، وأضعفتها أي إضعاف. الضربة الأخيرة كانت الأقوى الموجهة إلى رأس دمشق، العاصمة التي تتصدى ببطولات لا مثيل لها في التاريخ، وتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا العروبة..

كيف حدث هذا الانقلاب الغريب في هذا الوطن العربي العجيب الذي كان في الستينيات واقفاً على قدميه، واليوم يقف على رأسه … تماماً…

هناك أسباب وعوامل كثيرة اجتمعت، لكن هنا أود الحديث عن عاملين في إطار النقد الذاتي للتيار القومي:

1- وحدة خليجية (مجلس التعاون) مقابل انقسام مستمر بين دول القومية العربية.. كانت بغداد والقاهرة ودمشق على خصام دائم على الرغم من أن الثلاثة يمثّلون فكراً قومياً واحداً وهدفاً قومياً واحداً. اختلف البعث في العراق مع توءمه في سورية اختلافاً وصل حد القطيعة، واختلف البعثان مع عبد الناصر، كما اختلف هو معهم..

2- العامل الأمريكي: هناك من يرى أن العامل الأمريكي هو السبب في انهيار عواصم القومية العربية. أنا أرى العكس تماماً. كان على العداء الأمريكي للقوميين أن يكون حافزاً قوياً كي ينبذوا خلافاتهم، ويتحدوا في مواجهة هذا العداء، كما أن قضية فلسطين والاحتلال الصهيوني كان ينبغي أن يكون الحافز الأكبر لتوحيد صف القوميين.لنتذكر نظرية أرنولد توينبي التي تقول: إن التحديات الكبرى هي التي توقظ الأمم، وتوحّد صفوفها. لم يحصل هذا عند القوميين العرب وعواصمهم الكبرى الثلاث، وهم أنفسهم مسؤولون عن هذا الإخفاق التاريخي.

عملياً، لم تصعد «الرجعية» العربية بفضل قواها ومساعدة أمريكا، وإنما بفضل ضعف القوميين وانقسامهم. إنها «الأواني المستطرقة» الشهيرة.. إذا أرادت العروبة استعادة عواصمها الثلاث، فلا طريق آخر سوى توافق تام وثابت بين هذه العواصم. كيف الوصول إلى هذا الوضع؟؟ الجواب مرهون بالأجيال القادمة.. هذا هو تحديها الكبير والتاريخي!.. فجيلنا والجيل الذي سبقنا فشل أي فشل!..

mahdidakhlala@gmail.com