ثقافةصحيفة البعث

“ولدت مرتين”.. في رحلة النور!!

 

تبدو رواية عادل أحمد الشريفي طافحة بالإيمان وهي تعرض أياما من عمر فتاة وضعتها الأقدار في موقف لا تدري كيف تخرج منه..
مادلين براون المولودة في سدني بأستراليا من أب دمشقي مروان عدلي وأم استرالية تتعرض لحالة من الضيق توصلها إلى طلب الموت لكنها، تنقذ بسبب استفراغ ما تناولته، لتجد طيفا يناديها لترجع إلى جذورها ويظل هذا الطيف يرافقها ليزيد من إيمانها بوجود آخر ينتظرها يراه الراوي ولادة جديدة.
المستشفى يوضح السبب الحقيقي للنجاة من التسمم، أما الطبيب الخاص المشرف على الإنعاش فيرى أنها أعجوبة، أما الكاتب فيذهب إلى أن الأرواح كلها تأهبت وتفرغت لتعيد مادلين إلى جذورها في ولادة جديدة، ويسمي ذلك رحلة نور، وكأن ما كانت عليه هو الظلام.
تدخل الرواية القارئ إلى عالمين أحدهما محسوس وهو الرحلة بكل تفاصيلها من سدني إلى دمشق وبالعكس على نفقة أب أقر واعترف بأبوته لمادلين التي لا تريد منه ولا من زوجته السورية سهام أي شيء، وعالم آخر تعيشه مع جمال ابن عمها وهو نفسه الطيف الذي ظل يتابعها حتى صار حارسا أمينا عليها، دون أن يتصاعد الحدث إلى الحب والزواج كما في كل القصص والروايات المشتغلة على صلة الرحم. لكننا هنا أمام داعية له اعتماده على التخاطر من بعد والتداوي بالطاقة، والذي يستحوذ على عقل مادلين التي لم يبين الكاتب على نحو أو آخر ما إذا كانت قد عادت إلى جذورها الدينية أو العائلية كما يبدو من الميراث الذي تضمنته وصية مروان؟ ثم هو عالم بكل شيء وقادر على الإقناع تنبهر مادلين به، وهي التي تمتلك المقدرة على إزالة الشك والغيرة من عقل خطيبته التي لم ترحب كثيرا بقدوم مادلين إلى دمشق ولا باهتمام جمال بابنة عمه، فهما شخصيتان مثاليتان منفصلتان عن واقع الحياة تماما لا غبار على سلوكهما لا يشغل بالهما سوى عالم التصوف والروح والتخاطر عن بعد ويكفي أن تفكر بأمر حتى يصير طوع بنانك، فحتى الوهم الذي نتصوره هو مخلوق مسبقا ومسجل وعلينا نحن تقع مسؤولية تجيده ص 143
الرواية صدرت هذا العام أي بعد كل هذه السنوات المدمرات لكن الحرب هي الغائب الحقيقي عنها، لا أدري ما إذا كان النور هو في أن نعرف من هو جدنا الأكبر وما إذا كنا قرشيين أم لا من قيس أو يمانية، أو أن النور الذي أراده الكاتب هو معرفة وتفسير هذه الحركات لهذا الفرقة أو تلك..؟ وعندي أن الرواية هي هذه الحزمة من النور التي يلتقطها الراوي ويدونها بمهارة وحرفية عالية، بحيث لا يشعرنا بشيء أهم من أن نرى الحياة بصورة نتمناها ونريدها لأنفسنا، نحن المتعبين من تكاليفها، بحيث نتمثل شخصية البطل ونرجو أن تتاح لنا فرصة الخوض فيما خاضه، وأن ننتصر كما انتصر هو.
الحياة في الرواية معركة يكون الشر خلالها هو الأقوى على الفعل بحيث تضيق النفس وتكاد تنفجر غضبا نظرا لتكالب الظروف على الشخصية المحورية، وهي هنا ضحية لمفارقات لا ذنب لها سوى أنها ولدت من أب سوري عجز عن إقناع والده أو تخوف من ردة فعل أهله عموما تجاه هذا الزواج من أجنبية. وهناك دائما غايات نبيلة وراء أي رواية أو منتج إبداعي، وهنا نسجل للكاتب الصديق عادل الشريفي غاياته التي لم يخفها عنا، وإن كنت أتمنى عليه أن يكون أكثر توجيها للحدث بحيث نتلمس جوانبه دونما حاجة للسعي وراء السؤال عن الغاية من الرواية ككل.
كنت وسأظل أتمنى أن نتجه إلى النور الحقيقي إلى العلم والحقائق التي يتم اكتشافها وتطويرها.
رياض طبرة