الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

غوركي..!

حسن حميد
أعترف، بأن ثقافتنا الأدبية التي استندت إلى معرفة علم النص تعود إلى الترجمة التي جاءت إلينا من لغات عالمية شتى، وفي طالعها اللغة الروسية، وليست الإنكليزية والفرنسية على الرغم من شيوع هاتين اللغتين في بلادنا بعد أن فُرض الانتدابان الفرنسي والإنكليزي على بلادنا، وصارت لغة بلادهما لغة المخاطبة والدواوين والأوامر، فقد أوجدت اللغة الروسية حظوة لها في بلادنا، ولا سيما في بلاد الشام بسبب حضور الكنائس الأرثوذكسية، وفي فلسطين على وجه التحديد، فقد انتشرت مراكز تعليم اللغة الروسية انتشاراً واسعاً، ومن خلالها عرفت الترجمة منها إلى اللغة العربية أطواراً وأدواراً مهمة، فقد ترجم الأدب الروسي أولاً في بلاد الشام، وعرفته المطابع العربية بوصفه من طلائع الآداب العالمية التي راحت تشكل الذائقة الأدبية لمن وعى موهبة الأدب لديه، ولمن تلمس المقدرة النقدية في نفسه، فكانت أسماء بوشكين، وغوغول، وتولستوي، ودوستويفسكي، وتورغينيف، وتشيخوف، وبونين أسماء معروفةً لأهل الثقافة والأدب والفنون، والقراء عموماً، ومن خلال نصوصهم التي عرفت طبعات متعددة ومترجمين متعددين عرف من آنس في نفسه موهبة الكتابة مكوّنات النص الأدبي، ومن ثم معرفة ما هو علم النص، وقد حظي الأدب الروسي بأهمية واسعة في بلادنا لأن العارفين باللغات الأجنبية الأخرى مثل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية وجدوا المؤلفات الإبداعية الروسية منقولة إليها، فعادوا وترجموا بعضها من تلك اللغات إلى اللغة العربية، وهنا عُرفت الترجمة مناولةً من لغة أخرى، أي ليست الترجمة المباشرة من لغة إلى لغة.
مثل هذا الأمر بات معروفاً حين نحقّب لتاريخ الترجمة، والتفاعل ما بين الأدب العربي والآداب العالمية، وحين نتقصى بدايات التعالق ما بين هذه الآداب تحت ما عُرف بمصطلح الأدب المقارن، ما يهمني هنا هو أنه وعلى الرغم من تعدد الترجمات من الآداب الروسية والاستغراق في المدونات الأدبية التي تركها مشاهير الآداب الروسية من بوشكين، كحدّ أول، إلى جنكيز أيتماتوف كحدّ بادٍ في حياتنا الأدبية في القرن العشرين، فإن المدونات الأدبية لعباقرة الأدب الروسي لم تترجم كاملة إلى اللغة العربية، إذْ ما زالت هناك نصوص لـ بوشكين وغوغول ودوستويفسكي وتورغينيف وتشيخوف وتولستوي وغوركي.. الخ لم تترجم بعد مباشرة من اللغة الروسية إلى العربية، ودليلي هو أن رواية /اعتراف/ للكاتب الروسي الشهير مكسيم غوركي التي ترجمها الدكتور نوفل نيوف قبل سنوات، فهي غير موجودة في المجلدات التي عرفناها، والتي تشير إلى أنها الأعمال الكاملة لـ غوركي، وغير موجودة في ترجمة وطبعة منفردة، عدا تلك الترجمة التي قام بها المترجم نظير زيتون سنة 1934 للرواية عن اللغة الفرنسية، وجاءت تحت عنوان (أين الله)، واندثرت مع الأيام، ولم يعرفها سوى من عاش تلك الأيام.
إذن، ما زالت جهود الترجمة بعيدة عن الإحاطة بمدونات الأعلام الكبار في الآداب العالمية، لأنها لم تصل إلينا كاملة، لأن رسائل، وجوانب من السيرة الذاتية، ونصوصاً، ومقالات، وآراء لهؤلاء الأعلام لم تترجم إلى لغتنا العربية بعد، وهذا يشكل نقصاً في معرفتنا لهؤلاء الأعلام لأن رسالة واحدة من رسائلهم قد تغيّر معلومات كثيرة قرّت في أذهاننا حول كتاب معين أو حادثة معينة، أو ربما مقالة واحدة تعيد ترتيب هذه المدونات على نحو مخالف لما عرفناه ووعيناه وأدركناه حولهم.
أقول هذا لأن رواية (الاعتراف) لـ غوركي وعبر ترجمة د. نوفل نيوف هزّت قناعتي حول الترجمة، ودعتني، هنا، للجهر بأن الترجمة علم وفن وإحاطة، ولابدّ من جهود أكثر من فردية لكي نسدد الثغرات الموجودة في حقل الترجمة، ولا سيما إن خصت الأعلام المشاهير، والمدونات الأدبية والفكرية والفنية والعلمية والعقدية المهمة التي غيّرت مسارات التاريخ العالمي.

Hasanhamid55@yahoo.com