تحقيقات

نفقة المطلقة.. خلاف يستدعي التعديل.. واشتباك اجتماعي لضآلة القيمة المالية!!

على الرغم من تأكيد عدة محامين لها بأن نفقة طلاقها لا تكاد تسد الرمق، وأن البقاء مع زوجها حتى مع استحالة العيش معه هو أفضل خيار لها من الطلاق، خاصة أن أطفالها ما زالوا صغاراً وبحاجة إلى مصروف كبير في ظل الظروف المعيشية الصعبة، إلاً أن “سهير” أصرّت على الذهاب لاستشارة القاضي الشرعي بدمشق لتقنعه بأن الدخل الشهري لزوجها قادر على أن يعيش عائلتين برفاهية مطلقة، وأن النفقة التي ستحصل عليها في حال طلاقها لا تتناسب مع دخله الشهري، غير مدركة أن هذا القانون الخاص بنفقة طلاقها يسري على الجميع ولا يأخذ في الحسبان دخل الزوج الشهري، وأن الصيحات المنادية لتعديل نفقة المطلقة كانت وما زالت الهم الشاغل للمهتمين بقضايا المرأة، لكن دون جدوى تذكر…

تزايد مستمر
لا يخفى على أحد تزايد نسب الطلاق في سورية خلال سنوات الأزمة لأسباب كثيرة، أهمها الوضع المعيشي القاسي الذي لم تستطع الكثير من العائلات الاستمرار في المعيشة مع بعضهم ضمن نفس المنزل الذي فقده أغلب المواطنين خلال الحرب، الأمر الذي جعلهم عُرضة للتشرد وتفتيت أسرهم وتفضيل العيش كلاً على حدة للتهرب من المصروف وغيره من الأعباء التي لم تعد تُحتمل في تلك السنوات، فتحوّل الطلاق من أبغض الحلال في تلك السنوات إلى كلمة بات ترديدها أمراً سهلاً عند الكثيرين دون التفكير بعواقبها المستقبلية السلبية على الأبناء أولاً وأخيراً.
ولم يختلف الوضع اليوم عن تلك السنوات، بل على العكس فقد تحوّل المنزل العائلي خلال فترة الحجر الصحي إلى سجن عند أغلب العائلات التي لم تعتد تمضية أيام مع بعضها دون خروج من المنزل، الأمر الذي خلق حالات كثيرة من المشاحنات والضغوط النفسية نتيجة توقف مصادر الرزق، وارتفاع الأسعار المخيف الذي رافق فترة الحجر واستمر في خط بياني متصاعد إلى أن بلغ الذروة اليوم، فكانت النتيجة أيضاً هي الانفصال العائلي فقد ارتفعت حالات الطلاق في سورية 5 أضعاف خلال فترة حظر التجول التي تسبب بها تفشي فيروس “كورونا”، وذلك بسبب التماس المباشر، والواقع السيئ الموجود في بعض العلاقات الزوجية والذي لم يكن ملحوظاً في السابق.

محاولات بائسة
والأمر اللافت للانتباه هو إصرار الكثيرات على الطلاق رغم الفقر المدقع في منزل ذويهن، لكن يبقى الطلاق بالنسبة لهنّ مطلباً ملحاً إلى أن يحصلن عليه وينصدمن بالواقع المر، هذا الواقع الذي وضعه قانون أكل عليه الزمان وشرب، إلا أنه بقي ساري المفعول إلى يومنا هذا رغم ظلمه الكبير للمطلقات اللواتي لا يستطعن تأمين لقمة العيش لأبنائهن في ظل نفقة تتناسب طرداً مع عقود طويلة مضت لا مع سنوات عجاف كهذه التي نمر بها، ومع إصرار الكثير من المؤسسات ومراكز الأبحاث للقيام بخطوات في طريق تغيير أو تعديل هذا القانون إلا أن جميع مخرجاتها بقيت متسمّرة على الرفوف علّ وعسى تجد آذناً صاغية في فترة قريبة، فقد قام مركز”مداد” للأبحاث بمشروع عام 2017 تضمّن المطالبة بتعديل مواد الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والوصية الواجبة المتعلقة بالميراث، أهمها المادة 86 من القانون، والمتعلقة بالطلاق التعسفي، وذلك بأنه يجوز للقاضي أن يحكم للمطلقة من دون سبب على مطلقها بالتعويض بموجب لجنة خبرة تقدّر حالة ودرجة تسعفه على ألا تتجاوز نفقة خمس سنوات لأمثالها فوق نفقة العدة على حين تنص المادة الحالية أن القاضي يحكم للزوجة المطلقة تعسفياً دون سبب، وأنه سيصيبها فقر وفاقة تعويضاً لا يتجاوز نفقة ثلاث سنوات فوق نفقة العدة، وفيما يتعلق بالحضانة نص التعديل الجديد الذي طالبنا به على حق الحضانة للأب بعد الأم، علماً أن القانون الحالي لم ينص على ذلك، وأن نفقة السكن على نفقة والد المحضون، مشيراً إلى تعديل المادة 143 والتي تنص على أنه لا تستحق الأم أجرة للحاضنة في حال قيام الزوجة، أو في عدة الطلاق، فحذف التعديل عدة الطلاق، ونص المشروع الجديد الذي طالبنا به على مادة جديدة، وهو أن تنفق الزوجة على زوجها في حال كان معسراً، وهذا لم ينص عليه القانون الحالي، وأكد المشروع أن استخدام الولي العنف ضد القاصر يسقط حق الولاية عليه، وذلك من باب حماية الطفولة في حال كان وضعه المادي سيئاً، لكن وعلى الرغم من إقامة الورشة والمشروع، إلا أنه بقي حبيس الرفوف، حيث لم يتم أخذ المشروع بعين الاعتبار على الرغم من الوعود الكثيرة التي وعد بها أعضاء مجلس الشعب، لكن وللأسف لم يتم تبني المشروع.

خلل بالتطبيق
وفي الوقت الذي تطالب به الكثيرات بتعديل نص القانون المتعلق بنفقة المطلقة نجد أن للمحامين رأياً مختلفاً تماماً، إذ لم يلق المحامي “عارف الشعال” اللوم على نص القانون بل على العكس اعتبر أن معايير المادة 71 من قانون الأحوال الشخصية واضحة، والتي تلزم الزوج بنفقة تشمل الطعام واللباس والمسكن والتطبيب، لكن الخلل يكمن بتطبيق القانون، بالتالي نجزم بأن معايير القانون منصفة للمطلقة لكن تطبيقها من قبل القضاة غير سليم، وأكد الشعال أن كل امرأة متزوجة تستحق النفقة والتي يجب تقديرها حسب حالة الزوج المادية أي إنها نفقة الكفاية بلا إسراف أو تقصير، ويكون أداؤها بطريق التمكين أو التمليك، ويعني التمكين توفير الطعام، وما يلزم من نفقة، أما التمليك فهو أن يعطيها المال الكافي لتصرف على نفسها، ويؤكد المحامي علي عمران أن الكثير من دعاوى الطلاق يقع فيها اللوم الأكبر على المرأة بشكل لا يختلف حوله اثنان، إذ نجد الكثير من المطلقات لسن بحاجة للنفقة المادية وعلى الرغم من ذلك، ومن عدم حاجتهن المادية للنفقة، إلا أنهن يبقين مصرّات على الحصول عليها كنوع من الإذلال للرجل، وبالتالي زيادة الأعباء على كاهل الأب، فمعظم الآباء في مجتمعنا لن يكونوا قادرين على تأمين مسكنين، أحدهما لطليقته والأولاد، والآخر لنفسه ولزوجته الجديدة على الأغلب، كما قد يصعب على الكثير من الآباء المطلقين في مجتمعنا أن يلتزموا بمصروف منزلين، منزل الطليقة والأولاد، ومنزل الزوجة الجديدة وأولادها أيضاً، وبناء على ذلك اقترح عمران تأمين رعاية حكومية للأم المطلقة الحاضنة، وإنشاء صندوق للنفقة يتولى تأمين مصروف مقبول لها ولأولادها.

حق شرعي
الدكتور عبد الرزاق المؤنس، معاون وزير الأوقاف سابقاً، وجد أنه من المعيب البحث في مسألة لم يبق بحث ومقال ولقاء ومنتدى إلا وتحدث عنها، فموضوع نفقة المرأة المطلقة، وهشاشة القانون وضعفه في حماية هذه المرأة التي تعرّضت للظلم الكثير بات من المواضيع الشائكة التي لم نجد لها حلاً إلى يومنا، حيث جاء قانوننا وزادها ظلماً، وتحدث المؤنس عن حالات الطلاق الكثيرة التي اتسعت ظلماً خلال السنوات الأخيرة، خاصة تلك النسوة اللواتي لم يعدن يملكن أهاليهن بعد أن هاجروا أو غادروا الحياة، ليصبح خيار البقاء مع أزواجهن، والعيش تحت ظروف قاسية أرحم لهن من العيش في الحدائق ومراكز الإيواء، حيث لم يخل لقاء أو مقال أو بحث من الإشارة إلى ضرورة تعديل أو تغيير بعض المواد، ولهذا تم تشكيل لجنة عام 2007 لإعداد مشروع القانون، لكن الشكل الذي جاء به المشروع برمته كان مخيّباً للآمال، وللانتظار الطويل، بأنه كان صورة مستنسخة بل ومشوّهة عن سلفه القانون المعمول به حالياً، بحيث ضيّع كل بادرة أمل في إمكانية السير بالمجتمع نحو الأمام، خاصة المواد المتعلقة بنفقة المطلقة التي لا تراعي الوضع الاقتصادي الصعب إذ يجب أن تقدر النفقة شرعاً بما تحتاجه المرأة في هذا الوقت بالمعروف، واليوم يجب ألا تقل النفقة عن 25 ألف ليرة سورية، لكن القضاء للأسف لا يتفهم مسألة النفقة بطريقة إسلامية وإيمانية، والمطلوب وجود لجنة من أية جهة كانت لإيجاد حل جذري لنفقة المرأة، وهذا يتم بتضافر اجتماعي كلي، ولفت المؤنس إلى كثرة حالات الطلاق خلال الأزمة نتيجة حالات الزواج غير المنطقي، وغير المتعقل، وغير المتكافئ بين الأزواج المصرين على عقد قرانهم قبل معرفتهم لواجباتهم وحقوقهم، والمطلوب اليوم من المحكمة إجبار الزوج على التوقيع على ورقة قبل الزواج تلزمه بالنفقة على زوجته بالمعروف وهي على ذمته، كذلك الأمر في حال حدوث طلاق، الهدف من ذلك إجبار الزوج على التفكير بشكل كلي وموضوعي وحقيقي بإقامة أسرة على أسس سليمة، فالطلاق اليوم يشكّل ظاهرة وحالة تؤرق المجتمع، وتثقل كاهل المرأة، ولاسيما في ظل الظروف الاقتصادية بالغة التعقيد، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لأنها تعتبر وضعية ظلم واضطهاد للمرأة من خلال تبعات الطلاق على أنواعه، إضافة إلى تبعات الحضانة، والسكن، وما إلى ذلك!.
ميس بركات