مجلة البعث الأسبوعية

أخيراً.. الرّبان في أوبرا دمشق بعد غياب! الموسيقار صفوان بهلوان: أعمالي رهينة أصحاب القرار وأبوابي مشرعة لأي دعوة جدّية ولائقة

“البعث الأسبوعية” ــ ملهم الصالح

بدّد حفل اختتام “أيام الثقافة السورية” الفائت، الذي أحياه الموسيقار صفوان بهلوان في أوبرا دمشق، قطيعة ربع قرن حجبته عن المشهد الفني الثقافي السوري. ورغم طول الغياب إلا أن بهلوان لا يزال عالقاً في أذهان السوريين بـ “جبهة المجد”، و”السيمفونيات”، و”الربان والعاصفة”.

عوائق عديدة دفعته للتفجّر خارج سورية، تتالت نجاحاته محققة حضوراً طاغياً، حاصداً إعجاب الغرب، مكرّماً في دول عربية من صنعائها لدارها البيضاء، فما أن يُعلن عن حفله حتى تنفذ البطاقات، تتناقل أخباره وسائل الإعلام العربية، ويسعى كبار الإعلاميين العرب لاستضافته في برامجهم، مقابل غياب تام عن المشهد السوري.

علامات تعجب كثيرة يثيرها التعتيم الذي غيّب كنزاً وطنياً مهماً، ونشوة عارمة، وحبور عام، بعودة “الربان المغيّب”، لذا زارت “البعث الأسبوعية” الموسيقار صفوان بهلوان، وبحثت في أسباب غيابه، وعودته، حاورته في تجربته، استفسرت عن جديده وتطلعاته، ونظراً لمحدودية المساحة المخصصة، ننشر من اللقاء الأبرز.

 

العودة للمشهد السوري

منذ 4 سنوات وأنا أتلقى العديد من الدعوات لإقامة حفل غنائي، إلا أني لم أر فيها جدية ولياقة وظرفاً يناسب عودتي بعد انقطاع 25 عاماً؛ وعندما تهيأت الظروف، وتوفر الشرط الفني الموسيقي، والتحضيرات الجدّية، والدعوة الكريمة المشرّفة من قبل وزارتي الثقافة والسياحة، وأوبرا دمشق، ومديرية المسارح والموسيقا، لبيت الدعوة شاكراً ممتناً.

ويضيف: أعتبر عودتي، من خلال حفلي الأول في أوبرا دمشق، تجربة ناجحة جداً، وفتحاً وأفقاً جديداً يستكمل مرحلة الثمانينيات، مرحلة التسجيلات الأوركسترالية.. حينها لم يكن هناك مسرح لائق أقدم فيه صوتي وأعمالي الموسيقية الكبيرة، أما الآن فقد توفرت كل تلك الشروط الفنية والمعنوية، آملاً أن تكون بداية لسلسلة نوعية من الأعمال، سيما وأن الفرقة الوطنية للموسيقى العربية، ودار الأوبرا، عاملتاني بكل ودٍ وتفانٍ يشكرون عليه.

 

عن الغياب

لماذا لا تبث أعمالي عبر الإعلام السوري؟ لا أعرف؟ أرد السؤال بسؤال، برغم أن لديهم أرشيفي الكامل، وأعمالي الغنائية والموسيقية (وطنية، ومُوّلت بسخاء) لكنها لا تعرض.. من المخجل أن تحكم المسألة قضايا شخصية!

بعض أصحاب القرار يتعاملون مع المؤسسات التي يديرونها كما لو أنها ملك شخصي، غُيّبت عن مكان بعينه فاستُغل غيابي.. تخيّل! لم أدع لأي نشاط فني في بلدي منذ أكثر من عقدين، علماً أنّ أغلب وقتي في أرواد، أو قريباً منها؛ إلا أن ذاك الغياب لم يكن إلا حضوراً واسع الانتشار في فضاءات أخرى، ومن ظن أنه غيّبني فقد غيّب نفسه. أنا لست زاهداً بالذوّاقة والجمهور السوري، وأوبرا دمشق تعنيني، أنا نجم أوبرا، موقعي وتنفسي فيها، يمنعني عنها أولئك الذين لا يهيئون هذا التواصل، بل يقفون حائلاً.. شخصياً، لست حزيناً، لأني أملك بدائل تتسابق لاستضافتي، والاحتفاء بي بالشروط المريحة والمغرية، لكن المحزن حقاً أن من يتولون شؤوننا في بعض المواقع يتحملون مسؤولية إيقاف مشروع موسيقي نهضوي وطني، وضياع الرافد الثقافي السوري في سراديب المصالح الضيقة.

 

الفرقة السورية للموسيقا العربية..

هو لقائي وتعاوني الأول مع هذه الفرقة الوطنية الفتية، بداية طيبة، وأكثر من جيدة، أثمن عالياً ما قدمه أعضاؤها من إنجاز فني فائق الدقة.. ألقوا أنفسهم بين يدي لأشكل معهم العمل الذي أريد، ونصل بشراكتهم للنتيجة المرجوة، علاوة على أنهم لم يألوا جهداً في تنفيذ كل الملاحظات للارتقاء بحفل ختام “أيام الثقافة السورية”، الذي رافقني فيه 52 موسيقياً، ليظهر بصورته المتميزة، وليحصد كل هذا الثناء، ويحقق أصداء مدوية تجاوز حدودها الجغرافية العربية.

كما أشيد بتفوق وتفاني قائد الفرقة الشاب، المايسترو عدنان فتح الله، الذي لم يوفر أي جهد في سبيل إغناء العمل الموسيقي، حتى بدا وكأنه تسجيل في استديو، وليس حفلاً على مسرح.. واسمح لي عبر منبركم أن أسجل تحيتي وتقديري للمايسترو قتح الله، ولأعضاء الفرقة الوطنية السورية للموسيقا العربية، ولأسرة دار الأسد للثقافة والفنون ممثلة بالمايسترو أندريه معلولي، وكل من ساهم في أن تكون العودة، ويكون هذا الحفل، وأذكر منهم الدكتورة لبانة مشوّح، وزيرة الثقافة، والمهندس رامي مارتيني، وزير السياحة، ومديرية المسارح والموسيقا ممثلة بالسيد عماد جلول.

 

الفرقة السيمفونية السورية

ويحزنني أن الفرقة السيمفونية السورية، منذ تأسيسها ولغايته – أي بعد مسيرة تجاوزت الربع قرن – لم تعزف لي عملاً واحداً، في حين عزفت أعمالي كبريات الفرق السيمفونية العالمية، وفي أكثر من عاصمة أوروبية، وتبقى تلك علامة استفهام وتعجب أضعها برسم التفسير من المعنيين. وهنا، لا بد من التنويه بأن المايسترو ميساك باغبودريان تواصل معي منذ سنة ونصف تقريباً، للترتيب لمشروع موسيقي من شأنه تحويل دار الأوبرا من مستوردة لمصدّرة، نأمل أن ينجز قريباً، فتقديم أعمالي مرهون بأيدي من يملكون القرار، ومن أراد فأبوابي مشرعة لأي دعوة لائقة وجدّية.

 

بهلوان والتشكيل

للفنان بهلوان تجربة مع الفن التشكيلي تحدث عنها قائلاً: البحر ملهمي، وأرواد ريشتي التي أشجب بها لوحاتي، نافذتي التي أستلهم منها خواطري، والفنان الحقيقي ابن لواقعه وبيئته، ولابدّ لهذه البيئة والواقع أن يصطبغا في نتاجه الفني، كما في سيمفونية “الربان والعاصفة” التي بنيت معمارها الدرامي والأوركسترالي على جملة بسيطة يرددها البحارة في أرواد منذ مئات السنين: “هيلا هيليسا”.. العمل مغرقٌ في محليته ليصبح اليوم عملاً تتداوله دور الأوبرا في العالم.. أنا أرسم الواقعي والتكعيبي وأميل للتعبيري، وسبق أن عرضت بعض نتاجي التشكيلي في موسكو، وحاز استحسان النقاد والجمهور، لكني انكفأت لمدة طويلة عن الرسم، ودأبت على العمل في ميدان الموسيقى، ما أدى لانحسار تجربتي التشكيلية، باستثناء لوحة هنا وأخرى هناك تعيدني لميداني التشكيلي الذي أحب.

ويتابع: مشكلة الفن التشكيلي بالنسبة لي أنه يتطلّب معدّات، أدوات، ومرسماً في جاهزية تامة، متاحاً لحظة تشاء. بطبيعة الحال لم يكن في نيتي الانصهار كثيراً في التشكيل خشية أن يكون على حساب الموسيقى، لكن هذا لا يمنع أن أنتج لوحة من حين لآخر؛ وبحسب رأي المقربين وأصدقائي التشكيليين حققت مستوى عالياً، وأذكر شهادة الراحل المبدع التشكيلي نذير نبعة، والتي تعني لي الكثير: “لم أرَ أحداً يرسم بهذه الدقة، منيح اللي الله أخدك ع الموسيقى”.

 

بهلوان والشعر

عن علاقته بالشعر، يقول الموسيقار بهلوان: مولع بالشعر العربي منذ يفاعتي، أقرؤه بنهم، وأحفظ قديمه وحديثه، مما كوّن في نفسي مخزوناً شعرياً وأدبياً كبيراً.. ديواني “قطرات ضوء” جاهز للطباعة منذ أكثر من عشر سنوات، لكن “سوستي” العامة في نواحي الفن كلها، وانشغالي بالموسيقى وأمور أخرى أرجأتْ طباعته، لعلني أنجزه في القريب.. تعاملت مع كبار شعراء الوطن العربي، ربطتني بهم صلة الصداقة، وتشرّفت بتلحين قصائدهم، أمثال: محمد مهدي الجواهري، محمود درويش، محمد عمران، مانع سعيد العتيبة، مظفر النواب، سلطان العويس، وأنتظر الوقت لألحّن قصائد أخرى للراحلين سليمان العيسى ونزار قباني.

 

بهلوان وعبد الوهاب

تربط الفنان صفوان بهلوان بالموسيقار محمد عبد الوهاب علاقة متينة، يقول عنها: إنها علاقة تتعدى الشبه الصوتي، بل ترتقي لدرجة التماهي الوجداني والعاطفي والروحي، وهو ما تؤكده زوجته نهلة القدسي: “الله خلق قماشة قسمها نصين عبد الوهاب وصفوان”.. نتماهى حتى في العادات، حب أو كره بعض التفاصيل، طريقة النوم، النزق، برغم أني لم أعش معه تفاصيل يومية، بل التقيته كأستاذ وتلميذ، أخذت عنه الذوق، والأناقة، ودقة المواعيد، واحترام الذات، وموسيقياً أخذت التكنيك العالي، واختيار التشكيل الغنائي المناسب، والارتجال على اللحن الجاهز، والذي لا يخرج العمل عن سياقه العام.. عبد الوهاب وأنا حالتان متماهيتان، تمازج صوتي في لحنه، وكذلك لحنه في صوتي حتى أشكل الأمر على المتلقي، فبدا كأني من لحن تلك الأغنيات، وربما بدا أن عبد الوهاب غنّاها أيضاً.. حالة استثنائية غير مسبوقة، غاية في الصوفية، سبرت تلك الأغوار الفنية، بثثت فيها روحي، تعاملت معها من منظور المؤلف الموسيقي، فبدت جديدة، حتى أن عبد الوهاب تمنّى في أحد لقاءاته: “ليت صفوان يستمر إلى جانب ألحانه في تجديد أعمالي وأنا أفوضه بشكل مطلق”.

 

الفن والراهن السوري..

موسيقى وأغاني اليوم في حالة تخبط واضطراب وانحدار، ويعود ذلك للتردي والاضطراب السياسي والاقتصادي الذي تعاني منه الأمة العربية؛ ويحضرني قول لحكيم الصين كونفوشيوس: “إذا أردت أن تتعرف لما توصلت إليه الشعوب من حضارة ومدنية فاستمع لموسيقاها”.. الشعوب تنتج فنونها وموسيقاها وفقا لما تؤول إليه الحال من سلب وإيجاب.

ولاشك أننا بحاجة لإعادة إحياء التراث الموسيقي العربي والنهوض به، ليكون حافزاً وملهماً لمبدعين جدد، ومنطلقاً لثورة موسيقية متجددة نابعة من الأصول، ويبقى كل مادون ذلك فوضى تدور في خواء، وهو حال موسيقانا اليوم.

و”الفن” لا يستطيع أن يصنع شيئاً سوى تجميل مؤقت لوجه جميل شوهته حرب لعينة، والموسيقى ليست علاجاً آنياً بل إستراتيجياً.. لا تنمو الموسيقى في الجحيم، وينبغي أن يكون الفن حاضراً متواجداً بكل ما أوتي من جمال قبل حدوث ما حدث، ليصنع إنساناً حضارياً راقياً، يشكل حصناً يحول دون وصول سورية لما آل إليه الراهن.

 

بهلوان اليوم

عما يبدع هذه الأيام، تحدث بهلوان: أنا في حالة دائمة من التفاعل الفني: غناءً، تلحيناً، وتأليفاً، وحضوراً على خشبات مسارح متنوعة في العالم العربي؛ ومؤخراً عُزِفت بعض مقطوعاتي في أستراليا، ويبهجني أن تصبح أعمالي تراثاً إنسانياً، فلم يشغلني التلحين وغناء تراث الموسيقار محمد عبد الوهاب عن مشروعي في التأليف الموسيقي، وقد أضفت لرصيدي الكثير من المؤلفات: “سيمفونية أوغاريت”، و”نشيد العبادات الأوغاريتية”، و”آذان إبراهيم”، وأعمل حالياً على كتابة باليه.. في رأسي مكنون هائل يؤهلني لأجعل من سورية قبلة موسيقية متحضرة تشع على العالم، لدي استعداد أن أقدّم كل سنة عملاً سيمفونياً وبمستوى عالمي، ليقدّم في أهم دور الأوبرا، لكن.. تعوزني الإمكانيات!!

 

لست فناناً بورصوياً

لم أطرح نفسي كفنان بورصوي يخضع لصعود وهبوط العرض والطلب ومتغيرات السوق، بل أنا صاحب مشروع وقضية مرتبطة بالوجدان والتراب، بغض النظر عن مردودها المادي، أخشى أن أموت وتموت معي كل أفكاري، ألحاني، ومؤلفاتي “غير المنفّذة”، مخطوطاتي القابعة على رفوف مكتبتي، والتي أحرص أن تخرج للفضاء العام لتبقى للناس، للتاريخ، وليقال هذه سورية التي ولدت فيها أول مدونة تاريخية “أوغاريت”؛ أليس حرياً بهذا البلد، الذي دوّن أول نوتة موسيقية في العالم، أن يحمل مشعل الموسيقى الوضاء في الوطن العربي، بل والعالم.

 

التأليف مشروع مؤسساتي

ويضيف: شكّلت “جبهة المجد” فتحاً في الأغنية الوطنية السورية، وتقديم أعمال بذات السوية مشروع ضخم يتطلب تبني جهات مختصّة حكومية مؤسساتية وطنية، لما تحتاجه من مجهود معنوي وإمكانيات مادية كبيرة، أما الجانب المعنوي الإبداعي فأنا كفيل به، ويبقى التحدي الأكبر في التنفيذ (تأمين الإمكانيات والشروط الفنية / التقنية والمادية)، سيما وأنها أعمال ذات أهداف ثقافية وطنية إستراتيجية غير ريعية.. التبني الحكومي والمؤسساتي حاضن وحامل أساسي للملاحم الوطنية الغنائية، ودونه لا يمكن لتجربة الغناء الملحمي الوطني السوري أن تخطو قيد أنملة.. ولا أخفيك كتبت العديد من الأعمال الموسيقية الوطنية، وإلى هذه اللحظة لم يأت من يخرجها من غياهب الورق إلى حيز النور.

 

بطاقة

صفوان بهلوان مطرب، عازف، ملحن، ومؤلف أوركسترالي، مواليد جزيرة أرواد (1953)، تتلمذ في طفولته على يد الموسيقي محمود الحاج في طرطوس، حاز المرتبة الأولى في برنامج للهواة (إذاعة دمشق – 1969)، أعلنه الموسيقار محمد عبد الوهاب مطرباً (1970)، وسجل له أسطوانة “مريت على بيت الحبايب”، التحق بمعهد الموسيقى العربية (القاهرة)، درس أصول الموسيقى العالمية على يد البروفيسور الإيطالي كانشيلاريو، تابع دراسة الأوبرا والهارموني في ألمانيا (المؤلف: هنريك فندش).

عزفت أعماله في أهم العواصم الأوروبية (باريس، برلين، فيينا)، وأستراليا، والدول العربية: (مصر، لبنان، تونس، المغرب، اليمن). منحه الرئيس الراحل حافظ الأسد “الميدالية الذهبية” و”وسام سيف دمشق”، كرّمته محافل دولية، وجهات رسمية عربية عدّة، منح مفتاح الإسكندرية الذهبي، ونال لقب أفضل صوت عربي.