دراساتصحيفة البعث

منظمة التجارة العالمية تقترب من حافة الهاوية

إعداد: إبراهيم أحمد 

عندما تأسست منظمة التجارة العالمية عام 1995 لوضع قواعد للتجارة الدولية ولتكون الحكم بين الدول في النزاعات، كانت قوية ذات شعبية، وعلى عكس معظم الهيئات الدولية لديها آلية لفض المنازعات استخدمت على نطاق واسع. وفي تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”  الأميركية أشار إلى أن قرارات منظمة التجارة العالمية كانت حاسمة، وإذا قرر قضاة منظمة التجارة العالمية أن بلداً ما لا يلتزم بالقواعد، يمكنهم أن يأذنوا بفرض رسوم جمركية انتقامية حتى يتمكن الضحايا من تعويض خسائرهم. وحتى الولايات المتحدة، التي تعد قوة عظمى، أطاعت بوجه عام أحكام جهاز الاستئناف التابع لمنظمة التجارة العالمية المكون من 7 أعضاء، وإذا كان لدولة من الدول الأعضاء قانون يتعارض مع معاهدة منظمة التجارة العالمية، فينبغي إلغاؤه.

لكن منظمة التجارة العالمية تخاطر بأن تصبح عاجزة، حيث تحول الولايات المتحدة دون تعيين قضاة بهيئة الاستئناف التابعة لها التي تتمثل مهمتها في تسوية النزاعات بين الدول الأعضاء بالمؤسسة. وفي التقرير الذي نشرته صحيفة لوموند الفرنسية ، ذكر أن منظمة التجارة العالمية تقترب من حافة الهاوية، لأنه في ظل عرقلة جهاز استئنافها اعتباراً من 11 كانون الأول 2020 ، فقدت المؤسسة -التي يقع مقرها في جنيف- أحد أسباب وجودها. وحتى في حال تمكنها من الاستمرار في عملها، فسوف تقتصر على الاضطلاع بدور تنسيقي بسيط لقواعد التجارة العالمية، وهو ما يجبرها على إعادة تشكيل نفسها في عالم تراجع فيه تأثير تعددية الأطراف. وبحسب التقرير، حذّر المدير العام لمنظمة التجارة العالمية روبرتو أزيفيدو، يوم 6 كانون الأول 2020، من أن شلل هيئة الاستئناف “قد يفتح الباب لمزيد من الشكوك والأعمال الانتقامية الخارجة عن السيطرة”.

وأرادت الولايات المتحدة الوصول إلى هذه الوضعية، فقد حالت دون تجديد اثنين من القضاة انتهت ولايتهما في 10 كانون الأول 2020، وبذلك سيجلس قاض واحد من جملة سبعة آخرين، في الوقت الذي ينبغي فيه اتخاذ القرارات من طرف ثلاثة قضاة من جنسيات مختلفة. لقد كان التهديد الذي يستهدف المنظمة موجوداً منذ سنوات أو عقود، قبل أن يمر دونالد ترامب إلى تنفيذه، كما يقول التقرير. وينقل تقرير لوموند عن أستاذة القانون بجامعة جنيف، لورانس بويسون دي تشازورن أن “الولايات المتحدة لم تقبل أبداً أن يفلت جهاز الاستئناف من قبضة سيطرتها”.

فقدان السيادة

بحسب التقرير، تتهم واشنطن جهاز الاستئناف بتجاوز صلاحياته وإصدار قوانين بدلاً من مجرد تصحيح الأخطاء التي ارتكبتها مجموعة الخبراء في المرحلة الابتدائية. ونقل التقرير عن مسؤول رفيع المستوى في منظمة التجارة العالمية قوله، “اتخذ القضاة قرارات وحشية دون السعي للتوصل إلى تسوية، وكانوا يفتقرون إلى اللباقة والدبلوماسية. لقد اعتبروا أنفسهم محكمة قانونية تتصف بغطرسة شديدة، في الوقت الذي لا يمثل فيه هذا الجهاز سوى هيكل لتسوية النزاعات بين الدول”.

ويقول التقرير “تأمل الولايات المتحدة في مزيد من الاستفادة عبر فتح الحدود التجارية تحت رعاية منظمة التجارة العالمية، لكن بالمقابل، كانت هذه الدولة هدفاً لشكاوى عديدة، يبلغ عددها 170 من جملة 600 دعوى قُدمت منذ عام 1995”. ولفت التقرير إلى أن قرارات عديدة بمنظمة التجارة صبت في صالح الولايات المتحدة الأميركية، مثل السماح في تشرين الأول 2020 بفرض ضرائب على حوالي 7.5 مليارات دولار من السلع والخدمات الأوروبية المستوردة سنوياً، في إطار خلاف بين إيرباص وبوينغ. وكان ذلك أثقل عقوبة تفرضها منظمة التجارة العالمية على الإطلاق.‬‬‬‬‬.

انتقادات 

بيّن التقرير أن قرارات القضاة أصبحت محل انتقاد متزايد، لأن قواعد مذكرة عام 1995 الغامضة تعد معقدة ويصعب تفسيرها، كما هي الحال بالنسبة للنصوص العسيرة المتفاوض عليها بين العديد من الدول عندما يكون التوصل إلى توافق في الآراء أكثر صعوبة. وينقل التقرير عن أستاذ القانون في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، جوست باويلين أن “من الصعب تفسير قواعد قديمة حُررت في وقت لم تكن فيه شبكة الإنترنت والتجارة الإلكترونية موجودة، ولم تصبح فيه الصين بعد ثاني أكبر قوة تجارية في العالم”. ويشير التقرير إلى أنه منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية، لم تظهر سوى ثلاثة اتفاقات متعددة الأطراف فقط. ويعتقد الكاتب أن الولايات المتحدة الأميركية ستندم عندما تفقد منظمة التجارة العالمية سيادتها. وحسب تقرير لوموند فإن منظمة التجارة تدفع ثمن خطابات الانعزالية‬.

صعود سياسة الحماية

أشار التقرير إلى أن منظمة التجارة العالمية تدفع ثمن الانعزالية، في وقت قال فيه المدير العام السابق لمنظمة التجارة العالمية بين عامي 2005 و2013، باسكال لامي، إن “إدارة ترامب كثّفت التدابير الجمركية التي تتناقض مع قواعد منظمة التجارة العالمية، لذلك لم يعد من مصلحتها إدارة جهاز الاستئناف”. وتساءل الكاتب ما إذا كانت هذه الوضعية من الجمود مناورة من جانب ترامب من أجل تنظيم التجارة العالمية وإجبار الصين على تقديم تنازلات، أم أنها تمثل نهاية تعددية الأطراف التي لم تعد تناسب الأميركيين؟. وقال التقرير “في عدة مناسبات، هدّد ترامب بمغادرة منظمة التجارة العالمية، بعد أن طلب علناً من المنظمة إصلاح نفسها من أجل عدم التحيّز للبلدان النامية مثل الصين، التي لا تزال تتمتع بهذا الوضع”.

تغيّر موازين القوى

أورد التقرير أن الأمر الوحيد المؤكد هو أن وقف جهاز الاستئناف سيغير موازين القوى في المفاوضات التجارية بين الدول، وستكون الدول الكبرى قادرة على فرض تدابير انتقامية والحصول على تنازلات بسهولة أكبر على حساب بقية الدول. وحذر الكاتب من أن هذا الوضع لا يعلن نهاية تحرير التجارة، لكن سيحين دور الاتفاقات الثنائية والإقليمية، كما يُظهر ذلك مشروع اتفاقية التجارة الحرة في أفريقيا، أو ذاك الذي وقع في حزيران بين الاتحاد الأوروبي وفيتنام، وهي الاتفاقات الأضيق والأسرع في التفاوض. وأشار التقرير إلى أن المفوض الأوروبي للتجارة، فيل هوغن حذر في نهاية أيلول 2020، أمام البرلمانيين الأوروبيين، من أنه دون احترام قواعد التجارة العالمية، قد يُفرض “قانون الغاب”. ونقل التقرير أيضاً عن الباحث بمعهد جاك ديلور إلفير فابري، قوله إنه “في زمن التواصل العالمي، تتطلب مخاطر الاحتكارات والتفاوتات والاختلالات مزيداً من التنظيم متعدد الأطراف”، وهو الرأي الذي يشاركه فيه العديد من الأوروبيين، لكنه ما زال بعيداً عن كسب التأييد الأميركي.

شلل منظمة التجارة

أشار التقرير إلى أن منظمة التجارة العالمية الآن منهكة بالكامل وفقدت هيبتها، ويخوض أكبر اقتصادين، الصين والولايات المتحدة، حرباً تجارية ويصدران رسوماً متبادلة تنتهك قواعدها، ولم يعد أحد يخشى غضب جهاز الاستئناف بعد الآن، لأن هذه السلطة قد توقفت عن العمل، حيث لم يُعيّن قضاة جدد ليحلوا محل القضاة القدامى الذين انتهت مدة خدمتهم. ويُعتقد أن وضع منظمة التجارة العالمية وصل إلى هذا السوء بسبب قرارات دونالد ترامب. ورغم حقيقة أن ترامب تسبب في شلل منظمة التجارة العالمية عندما رفض تعيين قضاة جدد حتى لا يضطر إلى الالتزام بالقرارات التي لا تعجبه، فإن منظمة التجارة العالمية كانت في حالة تقهقر قبل مدة طويلة من تعرضها لإساءة ترامب. وحتى إذا كان الرئيس المنتخب جو بايدن عازماً على المساعدة في إصلاح منظمة التجارة العالمية، فإنه لا يمكنه التراجع عما فعله ترامب،ويتطلب التعافي الحقيقي البحث داخل المنظومة عن موطن الخلل الرئيس. فعندما أُنشئت منظمة التجارة العالمية في التسعينيات كان الإيمان بالأسواق الحرة عند مستوى قياسي، وكان الاتحاد السوفييتي السابق قد انهار حديثاً وتبنّت الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم آنذاك، إيماناً خالصاً بقدرة الرأسمالية غير المقيدة على تحسين الحياة في جميع أنحاء العالم. ودفع الأميركيون أكثر من 100 دولة للانضمام إلى جهود إنشاء هيئة دولية قوية لإزالة الحواجز أمام التجارة الدولية وحماية المستثمرين، ووافقت الدول الأضعف على الاتفاق لأنه يعني من الناحية النظرية أنها لن تكون بعد ذلك تحت رحمة الأقوياء.

تزعزع المنظمة

وسرعان ما أصبحت قوة منظمة التجارة العالمية تمثل مشكلة كبيرة، فقد أُلغيت القوانين والبرامج المحلية التي أعاقت “التجارة الحرة”، كما أمرت منظمة التجارة العالمية البلدان بوضع برامج تشجع الطاقة المتجددة والقوانين التي تحمي العمال من المنافسة الأجنبية غير العادلة، كما لو كانت التجارة الدولية أكثر أهمية من تغير المناخ وحقوق العمال. ولم تكن منظمة التجارة العالمية قوية فحسب، بل كانت طموحة أيضاً، على عكس الهيكل التجاري السابق المعروف باسم الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة التي تعاملت بشكل أساسي مع التعريفات، وكانت تهدف منظمة التجارة العالمية إلى معالجة مجموعة كاملة من القضايا التي لا علاقة لها بالتجارة التقليدية، ويرجع ذلك جزئياً إلى الشركات التي ضغطت على حكوماتها خلف الأبواب الموصدة لإعادة كتابة قواعد التجارة لمصلحتها. ودفعت البنوك الاستثمارية لإلغاء الضوابط المالية في جميع أنحاء العالم، في حين سعت شركات الأدوية لتوسيع نطاق براءات اختراعها، مما أدى إلى تعقيد الجهود في البلدان النامية للوصول إلى الأدوية بأسعار معقولة. وأشار التقرير إلى أن قدرة منظمة التجارة العالمية على اتخاذ القرارات بات مشكوكاً فيها أكثر، وحكم قضاتها ضد الإعانات الحكومية الموجهة لصناعة الألواح الشمسية المنتجة محلياً في الولايات المتحدة والهند، على أساس أنها غير عادلة للمنتجين الأجانب، في حين لم تكن المجموعة الكبيرة من الإعانات التي تقدمها الصين لدعم صناعاتها تمثل مشكلة على الإطلاق. وبدت منظمة التجارة العالمية متأخرة وغير جديرة. والآن بما أن الاقتصاد العالمي في حالة يرثى لها بسبب الوباء وأزمة تغير المناخ، فإن منظمة التجارة العالمية في حالة يأس، في انتظار معرفة ما إذا كان جو بايدن سينقذها.

حلول للأزمة

هناك بعض الحلول السريعة التي ينبغي أن تدعمها إدارة بايدن، مثل تعيين مدير عام جديد، ويبدو أن الجميع – باستثناء ترامب – يحبون نغوزي أوكونجو إيويالا من نيجيريا، التي قد تصبح أول امرأة وأول أفريقية تشغل هذا المنصب، لكنه لا ينبغي لـ بايدن أن يتسرع في ملء الشواغر في جهاز الاستئناف. ويتمتع العالم بفرصة تاريخية لتغيير اتجاه قواعد التجارة الدولية وخلق مساحة أكبر للبلدان لتجربة حلول لتغير المناخ وعدم المساواة في الدخل، ويمكن للبلدان في جميع أنحاء العالم استخدام تمويلات التحفيز الاقتصادي للقيام باستثمارات إستراتيجية في الطاقة الخضراء مع الإعانات، وهذا ما تدور حوله خطة بايدن “إعادة البناء على نحو أفضل”، لكن الخطة تخاطر بمخالفة قواعد منظمة التجارة العالمية في العديد من الجوانب. ولهذا السبب ينبغي أن تستغل الإدارة المقبلة هذه اللحظة لمحاولة التوصل إلى اتفاق بشأن بعض القضايا العميقة التي تسببت في الوضع الحالي. ومن بين الأسباب التي تجعل العالم يتجنب تلك المحادثات الصعبة مدة طويلة هو أن التقاضي أسهل من التفاوض، والآن بعد أن أُلغي هذا الخيار ربما تتمكن الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية من صياغة اتفاقية لتلبية متطلبات هذه اللحظة. وهناك إشارات تبعث على الأمل في أن بايدن ينوي فعل ذلك بالضبط، ولطالما جادل جاريد بيرنستاين، أحد مستشاريه الاقتصاديين المخضرمين، أن قواعد التجارة العالمية ينبغي تعديلها لتلبية احتياجات الناس العاديين، وليس فقط الشركات.