مجلة البعث الأسبوعية

عصابات الحقد دمرت مبانيها ونهبت محتوياتها العلمية ومخابرها وسرقت أثاثها وآلياتها جامعة الفرات.. التعليم لم يتوقف رغم الإرهاب والحصار ومرحلة التعافي بدأت!!  

“البعث الأسبوعية” ــ وائل حميدي

يُظهر الواقع الإداري والمعماري لجامعة الفرات تأثُّرها الكبير بفعل الإرهاب، فقد كان لها نصيب قاسٍ من الحرب التي نجحت بتغيير تصنيفها إلى حدود تأقلم المعنيين مع الحال الجديدة، والسعي لإيصال رسالة مفادها أن جامعة الفرات مستمرةٌ ضمن حدود المعقول.

وما بين عام ٢٠١١، وهو العام الذي وصلت فيه جامعة الفرات إلى ذروة إنتاجها وعطائها وجاهزيتها، وعام ٢٠٢٠، يبدو واضحاً أن تغيُّراتٍ كثيرة أصابت هذا الصرح العلمي الكبير.. تغيُّراتٍ بدأت بفقدان مبانٍ ضخمة، سبقته سرقة محتوياتها العلمية والمخبرية والأثاث الخاص بها، ثم إصرار ونجاح الحكومة بأن تستمر الجامعة بعملها، والابتعاد قطعاً عن قرار إيقاف التسجيل فيها رغم ما أصابها من خللٍ خلال سنوات الحرب، ثم تحرير مدينة دير الزور في الثلث الأخير من العام ٢٠١٧، بعد حصار كافر دام ثلاث سنوات، وكان له الأثر الأكبر في الدفع بها نحو الهاوية، إلى أن أعلنت الحكومة عبر وزارة التعليم العالي أن الجامعة مستمرة، وأن مرحلة التعافي قد بدأت، لينتهي الأمر بأرقامٍ كثيرة تغيّرت، وهي أرقام بدأت بالتراجع الكبير مطلع الحرب (وفق ما خطّط له الحاقدون)، لنقف اليوم على أهبة بداية جديدة تُعلن أن قادمات الأيام ستُسجّل لجامعة الفرات أرقاماً مضيئة تُعيدها إلى سابق ألقها وعهدها.

“البعث الأسبوعية” أجرت حواراً مُطوّلاً مع رئيس جامعة الفرات، الدكتور طه الخليفة، الرئيس السابع الذي يتولّى هذه المهمة منذ مرسوم إحداث الجامعة عام ٢٠٠٦، ليتحدث لنا عن خطة رسمها بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي لِطَي ما سلف بإيجابياته وسلبياته، والبدء من جديد بمرحلة كبيرة عنوانها “الفرات باقية وفي طريقها نحو التعافي السريع”.

 

خروج كليات عن الخدمة

يوضح الدكتور الخليفة أن جامعة الفرات تضم ٢٥ كلية موّزعة في المحافظات الشرقية الثلاث، والحقيقة أن الإرهاب في دير الزور كان أكثر قسوة وحقداً من حيث تأثيره المباشر على القطاعات الحكومية، والجامعة إحداها، فقد خرج الكثير من الكليات – كَمَقار وأبنية – عن العمل، ومنها الكلّيات الست التابعة لفرع الرقة كاملة؛ ولكن هذا الفقدان لم يعن الخروج من كنف الجامعة، ولم يوقف أي كلية عن العطاء العلمي، حيث تم تدارك هذه الخسارة البنيوية بتوزيع طلاب تلك الكليّات على باقي الجامعات السورية، كل حسب رغبته. وللعلم، مع بداية الحرب اضطر الكثيرون للهرب من مناطقهم والنزوح إلى محافظات أخرى، بمن فيهم طلبة دير الزور والحسكة، وحينها صدرت التوجيهات الفورية باستقبال وتوطين طلاب جامعة الفرات أينما شاؤوا، لذا لم تُسجّل الجامعة خسارة أي فرصة تعليمية لطلابها. مع ذلك، استمرت كليات دير الزور بالعمل خلال فترتي الإرهاب والحصار، واستقبلت من بقي هنا من الطلبة؛ وبعد أن تم تحرير المدينة، أواخر عام ٢٠١٧، سُمح لطلاب الرقة بالدوام في دير الزور أو في الحسكة، باستثناء كلية الهندسة المدنية “اختصاص مائية”، والتي استأنفت عملها في دير الزور بعد سلب مقرها في الرقة. خرجت تسعة مبان عن الخدمة، وهي كليات العلوم والتربية والهندسة والآداب والاقتصاد والتمريض والبتروكيمياء والطب البشري والحقوق، وتم نقل طلبتها جميعاً إلى كلّيتي الآداب والزراعة في المدينة، وبالتالي اضطررنا – والحديث لخليفة – لضغط الطلبة، ولعلّ هذا مؤشر واضح عن صعوبة العمل، وصعوبة التأقلم مع الواقع الجديد الذي فُرض علينا، فالإشكالية هنا تكمن في المخابر العلمية، بينما بقي الوضع مريحاً إلى حدود مقبولة جداً ضمن القاعات والمدرجات المتوافرة. وحالياً – يضيف الدكتور طه – العمل جارٍ لإعادة تأهيل مبنى كلية العلوم ضمن مساحة الكليتين المذكورتين، والذي كان على الهيكل قبيل اندلاع الحرب، وهو بناء مؤلف من ثلاث كُتَل، يتم حالياً تجهيز إحداها حيث بلغت نسبة التنفيذ أكثر من ٩٠%، وسيتم وضعه في الخدمة نهاية الشهر الجاري لاستقبال طلبة الهندسة الميكانيكية والعلوم بدءاً من الفصل الدراسي الثاني للعام الجاري، كما سيتم الإعلان عن عقد لاستكمال كتلة بنائية ثانية خلال هذا العام، وبما يتناسب مع الميزانية المُقررة للجامعة.

 

سرقة المدينة الجامعية

وبين رئيس جامعة الفرات أن المدينة الجامعية تتألف من أربع وحدات سكنية، اثنتان منها كانتا جاهزتين ومستثمرتين قبل بدء الحرب، قبل أن تتمّ سرقتهما، مع بداية ٢٠١٢، من مرتزقة الإرهاب، ما أخرجهما عن الخدمة، وبالتالي بات الطالب المسجّل لدى الجامعة من خارج محافظة دير الزور في حيرة من أمره: أين؟ وكيف يقيم؟ ومع تحرير المدينة، تم وضع الأولوية لإعادة تأثيث الوحدة الأولى والتي ستوضع في الخدمة مطلع الشهر المقبل، وتمّت المباشرة بأعمال البنى التحتية في الوحدة الثانية، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية إكساء وتأثيث الوحدتين الأخيرتين، ولكن في فترة لاحقة.

 

المجتمع المحلّي

وعن دور المجتمع المحلي والأهلي ومدى مؤازرته للجامعة، أكّد الخليفة أن هذا الدور معدوم تماماً رغم أنه كان محط أمل، سواء على مستوى الأبنية أو التجهيز، أو على المستوى الزراعي البسيط، غير أن واقع الحال يؤكد – وبكل أسف – أنه مجتمع بعيد عن مثل هذه المبادرات؛ أما على مستوى المنظمات العاملة في الإطار الإنساني، فهي محكومة بمعايير مشدّدة، لذا فإن مناشداتها للتدخل في الأعمال البنائية ما زالت خجولة ومحدودة، ولربما تشهد الأيام القادمة مد يد العون باتجاه الطلبة أو ما شابه، والحديث هنا ما زال سابقاً لأوانه، لأن إدارة الجامعة لا تزال في مرحلة التفاوض والعرض الذي قد يلقى القبول أو الرفض، وهذا مرتبط بالمعايير الناظمة.

 

استثماراتنا معدومة

ورداً على سؤال فيما إذا كان لدى الجامعة أية مشاريع استثمارية تعود بالمنفعة المادية، قال الدكتور طه: استثماراتنا لغاية اليوم معدومة تماماً، ومع ذلك لدينا فكرة لا تزال في طور الدراسة لاستثمار بعض المخابر التابعة للجامعة، بمعنى وضع تجهيزاتها للاستثمارات المؤقتة الخاصة بتحليل التربة أو معالجة المعادن، وما إلى ذلك؛ والحقيقة أن الغاية الأولى تقديم المنفعة للمحافظة وتوفير الجهد والمال على الراغبين للاستفادة من مخابرنا، والغاية الثانية تقديم الدعم المادي بما يعود من ريع هذه المخابر لميزانية الجامعة.

 

سرقة ٩٥% من أسطول الآليات

وفي عرض لواقع معاناة الجامعة من قلة الآليات، يوضح الكتور خليفة: في عام ٢٠١١، كان لدى الجامعة أسطول كبير من الآليات، ومن بينها بولمانات حديثة للرحلات العلمية والتنقل بين المحافظات، إضافة لعدد كبير من السيارات السياحية والشاحنات الصغيرة والڤانات؛ وخلال الفترة الأولى من إشعال فتيل الحرب، نهاية عام ٢٠١١، أقدمت المجموعات الإرهابية على سرقة ١٢٥ منها، وليس لدى الجامعة اليوم سوى سيارتين سياحيتين بنصف العمر الفني، وميكروباصين صغيرين وصهريج ماء، ومعاناتنا بهذا الصدد وصلت إلى حدود تنقل عمداء الكليات باستخدام باصات النقل العامة نظراً لبُعد الكليات عن مركز المدينة، ما حدا بالجامعة لاستئجار ميكروباص ووضعه في خدمة عمداء الكليات والنوّاب. وبالرغم من التكيف مع هذه الظروف، إلا أن الجامعة تسعى لزيادة عدد الآليات، وللإنصاف فإن الحكومة والوزارة متجاوبتان جداً ضمن الإمكانات المتاحة، ما يعني أن الأيام القادمة ستشهد ارتفاعاً وتحسناً في واقع الآليات.

 

عدد ضئيل

تعاني جامعة الفرات من نقص شديد جداً بكوادرها الإدارية، ومن أهم أسباب هذا النقص التسرب الوظيفي والتقاعدات الصحية والقانونية والانتقال إلى محافظات أخرى وعدم الإعلان عن مسابقة جديدة لرفد الجامعة بما يلزم من الكوادر؛ وفي هذا الإطار، يشير الخليفة إلى أن واقع الحال يتضمّن أرقاماً قد لا تُصدّق ومنها على سبيل المثال أن كادر كلية الهندسة قوامه ١١ موظفاً فقط، والحقوق قائمة على 17 موظفاً، وكلية الطب البيطري على 6 موظفين، ولعل قسوة الأمر تبدو جليّة إذا ما علمنا أن عدد طلبة كلية الحقوق ١٩٠٠ طالب وطالبة، وطلبة كليات الهندسة ٦٨٥، والطب البيطري ١٩٥، والاقتصاد ٧٢١، والآداب ٢٦٠٠، وهؤلاء جميعاً يقوم على تسيير أمورهم الذاتية والإدارية والامتحانية ٢٦ موظفاً فقط، مع ملاحظة توقُّف العقود تماماً، لذلك ستعلن الجامعة عن مسابقة لتعيين المسرحين من الجيش العربي السوري، وسيتم تعيين ١٣٩ منهم، علماً أن الإعلان عن مسابقات جديدة متوقف تماماً؛ ومع ذلك، يأمل الخليفة أن يكون لجامعة الفرات استثناءً في تخصيصها بمسابقة، نظراً للظرف الاستثنائي الذي مرت به، ولا تزال تعاني منه لغاية اليوم، حيث سيكون لهذا الاستثناء (إن حصل) انعكاسات إيجابية فورية مع ملاحظة أن عدد طلبة الجامعة عامة تجاوز الـ ٤٢ ألف طالب وطالبة، وهذا العدد الكبير يحتاج إلى كادر أكبر من المتوفر حالياً والبالغ عدده ٩٠٨ موظفاً فقط، بمن فيهم أعضاء الهيئة التدريسية وكوادر المعاهد التي تم ضمُّها للجامعة، وعددها 14 معهداً موزعة بين دير الزور والحسكة.

وفي ظل الامتحانات الفصلية، كان لابد من فلترة العملية الامتحانية لتكون نتائجها متناسبة مع جهد الطالب، ونظراً لقلة الكادر كان لابد من السؤال: كيف سيتم تجاوز هذا النقص لتكون الامتحانات جيدة؟ وفي هذا يجيب رئيس الجامعة بأنه تم اللجوء لمديرية التربية في دير الزور لدعم الجامعة بأعداد مناسبة من الموظفين ذوي الخبرة بسير العمليات الامتحانية، وهذا إجراء اضطراري، مع أهمية إلغاء ثقافة الغش وتيَّقن الطلبة تماماً من نزاهة الامتحانات، وقد نجحت الجامعة بتغيير الصورة السيئة عن الواقع الامتحاني لها في الفترة الأخيرة، وسيكون ضبط القاعة وعدم التهاون مع أي مخالفة هو العنوان الأكثر وضوحاً في الامتحانات القادمة، علماً أن الجامعة تكيفت مع واقع قلة الكادر بأن وجّهت بتقسيم كوادرها إلى قسمين، يقوم النصف الأول بالمراقبة، وتبقى مهمة النصف الآخر الإشراف على الأعمال الإدارية لكل كلية.

 

خرجت من التصنيف

تقول الحقيقة الخاصة بتصنيف الجامعات السورية إن جامعة الفرات خرجت مؤخراً من لائحة التصنيف، ولربما يكون ذلك منطقياً إذا علمنا بما مرّت به الجامعة من ظروف قاسية ألزمتها بإيقاف نشاطاتها العلمية وأخرتها في سلم الترتيب العلمي أو التصنيفي؛ وهنا يرى رئيس الجامعة أن ذلك أمر طبيعي، لأن الحفاظ على التصنيف وتقدمه وتأخره مرتبط بالنشاطات العلمية التي تقوم بها الجامعة ومدى جدواها وانعكاسها على أرض الواقع العلمي، وبالتالي فإن عودة الجامعة إلى مكانتها العلمية مرتبطة بنشاطها، مشيراً إلى أن خطة الجامعة لهذا العام تضمنت التركيز على إقامة الندوات والمؤتمرات والملتقيات العلمية، وأن يكون لهذه النشاطات أثرها الإيجابي في تبادل الفكر واللجوء إلى الأسلوب العلمي لتطوير الثقافة، إضافة إلى أن أعداداً كبيرة من الدراسات العليا ستساهم في عودة تصنيف الجامعة، وهذه الخطة ستبصر النور خلال الربع الأول من هذا العام ضمن هدف سام وهو أن يكون لـ “الفرات” شأن ونشاط بارزين يعيدانها إلى سابق عطائها العلمي.

خلال اللقاء برئيس جامعة الفرات، كان لابد من التطرق للخطة التي يحملها والبرنامج الذي يسعى لتنفيذه، ولعل قادمات الأيام ستظهر لنا إن أصبح هذا البرنامج واقعاً، أم أنها وعود ذهبت أدراج الريح، ربما لعدم توفر الإمكانات، أو لأسباب أخرى نجهلها، وهنا يبين الدكتور الخليفة أن العنوان العريض لبرنامج عمله في الجامعة هو استدراك كل النواقص مع ما تمتلكه الجامعة من عاملي البيئة والمناخ، وهما المباني والطلبة، لذا لابد من تهيئة عوامل النجاح، لافتاً إلى أن الجامعة تعاني من نقص كبير في الكوادر التعليمية، حتى أن عدد أعضاء الهيئة التدريسية (على الملاك) في بعض الكليات صفر، ما يجعل الجامعة تلجأ إلى الكوادر التدريسية في الجامعات الأخرى، علماً أنه تم إجراء مسابقة لأعضاء الهيئة التدريسية لك لم يتقدم لها سوى ٧٥ عضواً فقط، ونحن بصدد قبول المتقدمين سعياً لإسناد مهمة التدريس لهم وفق اختصاصاتهم أو الاختصاصات القريبة منهم، كما وتسعى الجامعة لتفعيل إيفادات الطلبة، وقد كانت تمتلك عدداً جيداً جداً منهم، غير أن 103 موفداً خارجياً منهم لم يعد إلى القطر..!

وأمام هذا الواقع، يختم لخليفة حديثه بالتأكيد على ضرورة استدراك النقص الوظيفي والتدريسي واستكمال تجهيز المخابر، ويبقى الحديث ضمن الأفق القريب عن إشادة كامل الأبنية التي تمتلك الجامعة مخططاتها كهدف كبير تعمل الجامعة على تنفيذه ضمن مساحة الأراضي التي تمتلكها والبالغة ٣١٠٠ دونماً.