اقتصادصحيفة البعث

تحديد السقوف وتعديل المعايير يحكمان بالفتور على علاقة الصناعيين بقروضهم

دمشق- فاتن شنان

لا شك أن الأوضاع الاقتصادية الطارئة والمستجدة تؤثر بشكل سريع ومباشر على العملية الإنتاجية، وحركة وتوجه الأموال، وتعيق إلى حد ما الظفر بنتائج إيجابية لقرارات صادرة هدفها إعادة إنعاش الوضع الاقتصادي، ما يعني بالضرورة مواجهتها بحزمة قرارات اقتصادية حاسمة جازمة متكاملة، من شأنها السيطرة على سرعة التقلبات، وكبح شراسة العوامل المتغيرة، إن أمكن، ومن ثم انتظار وقياس الآثار الإيجابية المرتقبة، وفي خضم هذه الظروف وسرعة تقلباتها التي كثيراً ما تقض مضجع تلك القرارات- الغافلة عن توقيتها المناسب- قبل أن تنضج أو يتم العمل بها، تكون النتائج صفرية مع قرارات مجزوءة وغير متكاملة، وإن صح التعبير فإن تلك القرارات تشرعن انسياب التمويل باتجاهات أخرى طالما حاربتها.

غير جاذبة

ما سبق ينسحب على السياسة النقدية المصرفية التي لم تنجح في توجيه دفة التمويل وفق توجّه الحكومة لتنشيط واقع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فلم تقم الأموال القابلة للتوظيف بدورها بالرغم من كبر حجمها في المصارف، وحاجة المصارف إلى ريعها من جهة، وضرورة زج الأموال في عروق الاقتصاد ومشاريعه لضمان نهوضه وازدهاره من جهة أخرى، فاليوم، وبعد تعديل المعايير للمشروع الوطني، يبدو أن سقوف تمويلها المحددة بـ 500 مليون ليرة أصبحت غير مجدية، بحسب خبراء مصرفيين، للمشاريع المتوسطة، وقد تساهم إلى حد ما في تمويل الصغيرة منها فقط في ظل التضخم الحالي، لكنها غير جاذبة لأصحاب المشاريع، وغير كافية، لاسيما أنه في التعديلات الصادرة مؤخراً اعتبر التمويل للمشروع الصناعي جائزاً بحجم موجودات يقارب خمسة مليارات ليرة، فكم تبلغ نسبة التمويل من حجم المشروع؟ وهل ما نسبته 0.5% هو قروض مغرية لانضمام الصناعيين في دوامة الأوراق والثبوتيات والتمويل الحكومي؟.

مازال مبكراً

مدير عام المصرف الصناعي الدكتور عمر سيدي رأى أن المعايير المعدلة، وقرار المصرف المركزي متناسبان مع ظروف المرحلة الحالية، وتكفي السقوف المعمول بها لتغطية متطلبات الراغبين بالتمويل من أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لاسيما أن القرارات المصرفية والاقتصادية تلحظ أي تغيير طارىء في الأوضاع الاقتصادية، وستتم دراسة المعايير سنوياً، وستتبعها تعديلات إن احتاج الأمر، مبيّناً أن قياس أثر القرارات الصادرة على السوق المصرفية مازال مبكراً، كون معظم المصارف لاتزال في مرحلة تعميم القرارات على كافة فروعها في المحافظات، وتعمل على الترويج لها.

لا إحجام.. إنما..

لا شك أن تمويل المشاريع الصناعية في غاية التعقيد، ويتحمّل مخاطر كبيرة، وذلك لكون الظروف الاقتصادية المحيطة به تؤثر بشكل كبير مقارنة بالمشروعات التجارية، إذ يحتاج المشروع الصناعي لخطة طويلة الأجل قد تمتد بين خمس وعشر سنوات، ويستلزم استيراد آلات وموافقات، كما أن فترة استرداد رأس المال طويلة، لذلك هناك تخوف من الدخول في دائرة تأسيس المشاريع خلال الفترة الراهنة، بحسب معاون مدير المصرف الصناعي شحادة عثمان، لكن المشاريع القائمة حالياً تعمل برأس مالها، وفي حال احتاجت لتمويل فقد يلجأ أصحابها إلى طلبات القروض التنموية التي تستهدف المشاريع القائمة، أما تأسيس المشاريع أو توسيعها فالنسبة تكاد تكون معدومة كون مرحلة التأسيس تتطلب استيراد آلات صناعية، وهذا الأمر ذو صلة وثيقة بسعر الصرف وتذبذبه، بالتوازي مع وجود صعوبات في عملية الاستيراد، لذلك، وحسب رأي عثمان، لا يمكن اعتبار أن هناك إحجاماً من الصناعيين عن قروض المصرف الصناعي، إنما الظروف الراهنة ساهمت بشكل كبير في عزوف الصناعيين عن البدء بمشاريع صناعية، مشيراً إلى أن أكبر مشروع صناعي تم تمويله من المصرف هو مشروع درفلة الحديد وصناعة الأبراج الحديدية بقرض بلغ 700 مليون ليرة قبل فترة التوقف بـ “كورونا” خلال العام الماضي، ويخطط المصرف الصناعي لتوظيف ما يقارب 13 ملياراً ضمن خطته السنوية لهذا العام من أصل 24 ملياراً قابلة للتوظيف.

بالمحصلة

تشي المعطيات بأن المصارف العامة لم تستطع التمويل بموجب قرار المركزي سابقاً، ومع صدور التعديلات الجديدة، وربط سقف التمويل، لا نجزم، ولكن لن يكون هناك تزايد في الإقبال على هذا المسار لتدني سقوف التمويل حالياً التي ستحد من التوجّه إليه، كونها لا تغطي التكاليف اللازمة للمشاريع الإنتاجية، ولذلك قد يستوجب الأمر رفع السقوف بما يتناسب وحجم المشاريع، ولن نقع فريسة المخاوف من انسياب التمويل بغير غاياته إن أحكمنا سلسلة التنفيذ، والمتابعة، والرقابة الدائمة.