اقتصادصحيفة البعث

الجمعيات الفلاحية في طريق التحول إلى تعاونيات إنتاجية.. والبداية بسبعة نماذج

دمشق- ريم ربيع

لم يعد دور الجمعيات الفلاحية بشكلها التقليدي قادراً على مواجهة الظروف الحالية وتخطيها بتحقيق مكاسب اقتصادية كما يُطلب منها، فتأمين المتطلبات يزداد صعوبة يوماً تلو الآخر، وبنية هذه الجمعيات باتت بحاجة تطوير وتغيير في جوهر تفكيرها لمواكبة المرحلة المقبلة وتعويلها على الفلاح بالدرجة الأولى، مما جعل من تحويل الجمعيات إلى تعاونيات إنتاجية مطلباً أساسياً للخروج من حالة الركود والانتظار، لدعم من هنا و”دفشة” من هناك لتأمين المستلزمات والتمويل، والانتقال بدلاً من ذلك إلى الإنتاج الفاعل المسوّق الذي يرفد الاقتصاد الوطني ويغذيه.

المطالبة بالانتقال إلى آلية عمل التعاونيات الإنتاجية ليست بجديدة، بل تكرّرت خلال لقاءات كثيرة في القطاع الزراعي، وهي تجربة رائدة على مستوى العالم في تحقيق الاكتفاء الذاتي أولاً، ودعم الجانب التصديري ثانياً، فالمنظمة الفلاحية في سورية والمعنية بالدفاع عن حقوق الفلاحين وتأمين متطلباتهم بات لزاماً عليها تفعيل الجانب الاقتصادي لها. ولعلّ القاعدة الواسعة لانتشار الجمعيات الفلاحية وعدد منتسبيها الكبير يشكلان أساساً للانطلاق بتحويلها تدريجياً للجانب الإنتاجي، وتحقيق التنمية بمرتكزاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

تحوّل

رئيس مكتب التعاونيات الإنتاجية في اتحاد الفلاحين مصطفى العبود رأى أن التعاونيات الإنتاجية هي تجربة رائدة، كان يفترض البدء بها منذ زمن طويل، فبهذه الطريقة يمكن لكل جمعية أن تتحوّل إلى شركة صغيرة تنتج وتوضب وتسوّق وتصدّر، موضحاً أن الجمعية التعاونية التقليدية تؤمّن مستلزمات الإنتاج من بذار وسماد ومحروقات وهذا هو دورها فقط، أما الإنتاجية فهي ترسخ الفكر التعاوني وتشجع الإنتاج بما يحقّق المكسب للفلاحين بالدرجة الأولى لينعكس على كامل الاقتصاد بالمحصلة، فتجربة مركزية العمل في القطاع الزراعي لم تكن صحيحة والأجدى أن تستقل كل جمعية بإنتاجها وعملها.

إعادة نظر

وكشف العبود عن نهج جديد لإعادة النظر بخطة عمل الجمعيات بشكل عام، حيث التوجّه لإنشاء جمعية تعاونية إنتاجية على الأقل بكل محافظة تكون نموذجاً للفلاحين، لتشجيعهم على العمل التعاوني الإنتاجي بعد رؤيتهم للعائد الإضافي المحقق منها، والبداية ستكون قريباً عبر 7 تعاونيات إنتاجية متخصّصة سترى النور في دير الزور وحماة وريفها وحمص وريف دمشق والساحل، مشيراً إلى التعميم على الاتحاد لإعطاء عدة نماذج لجمعيات يمكن تحويلها قريباً.

تخصص

5800  جمعية فلاحية موجودة في الاتحاد بمختلف أنواعها، يتمّ حالياً تقييمها وكوادرها مع خطة لفصل بعض الجمعيات ودمج بعضها الآخر –وفقاً لعبود-، فالدمج يمكن أن يعالج الترهل الموجود في بعض الجمعيات، مشدداً على أن الوصول إلى الاحترافية يتطلّب التخصّص في العمل، بحيث تصنّف الجمعيات وفقاً لمجال عملها، لتعود وتنظَّم عبر جمعية مشتركة تؤسَّس على مستوى الناحية ويتبع لها كل مجالس الإدارات لتكون مظلة شاملة للعمل، موضحاً أن قانون التنظيم الفلاحي نصّ على وجود جمعيات مشتركة، إلا أنه منذ إحداث الاتحاد لم تفعل أيّ منها.

خطط

وبيّن العبود أن خطة العمل الجديدة تتضمن تثقيف الفلاح من خلال مكاتب التأهيل والتدريب، بحيث تقام دورات لكل منطقة في مجالات زراعتها، ليدرك الفلاح ما له وما عليه، وليعرف القائمون على الجمعيات قوانينهم وأنظمتهم، إضافة إلى تعزيز وإقامة دورات للجان الرقابة والتفتيش في الجمعيات لضمان وصول الدعم الحكومي لمستحقيه ومحاربة الفساد بهذا الموضوع بشكل خاص، مع الإشارة إلى البدء برفد الجمعيات بمرشد زراعي، وإعداد برامج مميزة للحصول على تمويل من المنظمات الدولية الزراعية التخصصية، والبداية كانت بتوقيع اتفاقية مع منظمة “أكساد” مؤخراً، مشيراً إلى ضرورة تفعيل جمعية التسويق المركزية وفروعها عبر تعديل القانون ليتيح لها مرونة وفاعلية أكبر.

دراسة متأنية

ولفت رئيس مكتب التعاونيات الإنتاجية إلى العمل على تغيير بعض الفقرات في القانون 21 للتنظيم الفلاحي، ليتماشى مع فرص خدمة الفلاح أكثر عبر الحفاظ على المزايا وتطويرها وكشف الثغرات ومعالجتها، إذ يدرس الاتحاد القانون بحذر شديد لعدم تكرار أخطاء دول أخرى، ففي مصر مثلاً عُدّل القانون عدة مرات وفشل لعدم مواكبته الواقع، مؤكداً على الارتباط الوثيق بين التنمية الريفية والتطوير التشريعي للتعاونيات الزراعية.

وتوصلت الدراسات الميدانية للاتحاد إلى أن تطوير الجمعيات التعاونية يرتبط بتطبيق التجميع الزراعي (كشكل من أشكال الزراعة التعاونية المتقدمة في مواجهة التفتت المدمّر للأرض والفلاح نتيجة تفتت الملكية)، حيث يتمّ الاستفادة من أكبر مساحة ممكنة من الأرض وحمايتها من التقسيم وفق الملكيات ليعمل بها مختلف الأطراف بشكل تعاوني.

ضبط الدعم

واعتبر العبود أن الانتقال إلى تجربة التعاونيات الإنتاجية يحيي الفكرة التعاونية بشكلها الصحيح، مقدماً آلية إنتاج الزيت والزيتون في سلمية كمثال للتعاونيات الإنتاجية التي كانت ومازالت مميزة، مما يحقّق خدمات ووفراً كبيراً، فضلاً عن الاعتماد على مستلزمات الإنتاج بشكل جماعي، فهناك اليوم معاناة كبيرة في تأمين المستلزمات التي يفترض أن توفرها الحكومة، إلا أن الحرب والحصار وعدم ضبط وصول الدعم لمستحقيه من جميع الأطراف حال دون ذلك، مشيراً إلى أن التحوّل لشركات صغيرة مصدّرة يتطلب كوادر مثقفة ومؤهلة في الجمعيات الفلاحية.

وذكر العبود أن من بين أساليب الدعم للفلاح التي يتمّ دراستها اليوم هي المشاركة والاستثمار في مصارف التمويل الأصغر، بحيث يتمّ الاستفادة من خدماتها لمصلحة الفلاحين، مبيناً أن أكثر المناطق تضرراً بالحرب هي الأرياف، وأكثرية محطات الوقود تحتاج ترميماً، ويوجد 17 محطة خارج السيطرة، فضلاً عن تخريب المعاصر، وحرق أراضي الزيتون، وسرقة وتخريب الجرارات، لذلك من الضروري دعم الأرياف بشكل كبير.