الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

أُفُق

عبد الكريم النّاعم

قال صديقي بلهجة اللاّئم: “يا رجل، بدأت تباشير الربيع، والأشجار أزهرتْ، والطبيعة تَتَبرّج، وأنت قابع في هذا البيت، ما تخرج إلاّ للضرورات، أَوَما مللتَ؟!! صدّقني أنّني كلّما خطرتَ ببالي، أشعر بالشفقة والأسى، تحرّك يا رجل”.

قلت: “مسألة أنّني مللتُ، نعم مللتُ كثيراً، وغالباً ما أجبر نفسي على قراءة كتاب، لقد فقدتُ الكثير من البهجة المفقودة، ورغم ذلك فقد يُزعجني في وقت من الأوقات لون المُجلّد، أو ألوانه، ومع هذا فأنا وهي محكومان حكماً مؤبَّداً بالملازمة”.

قال: “أعان الله زوجتك على الحياة معك”.

قلت: “بل أعانني الله لا على الحياة معها فقط، بل على ما تحفظه من أناشيد طازجة تأتي بها من الخارج،.. /اليوم صرفتُ كذا،.. وكيلو الزيت بكذا،.. والخُضرة اليوم أغلى من البارحة، وعلى هذا فَقِسْ..”.

قاطعني: “أتريد أن تحدّثك بماذا؟ أليس نعمة أنّها تحمل كلّ هذه الأعباء عنك، تصوّر لو أنّها ليست موجودة..”.

قاطعته بنبرة حادّة: “فال القِرْد ولا فالك، الله لا يعطيك العافية..”.

ضحك مرتاحاً من الحماس الذي انتابني وقال: “إي هَهْ حرّك حالك قليلاً، لقد أصبحتَ من صنف أبي الهول”.

قلت: “لقد سبق أن قلتً لك إنّ العالم الخارجيّ المحيط بنا مشحون بالكآبة، والقلق، والضيق، وقلّة ذات اليد، إلاّ من فئة قليلة ما تكاد تبين بنسبة التعداد العام، لا أدري كيف سمنتْ، وتغوَّلتْ، ولا من أين جاءها كلّ هذا المال، ولكنّني أعرف أنّه مال حرام، وأنّهم لا يرعون فيه حقّ الله والعباد، لقد وضعوا هذا الشعب في ضائقة ما أظنّ أنّ شعباً آخر عرفها سوى أهلنا في اليمن، الذين أغبطهم، وأُجلّهم على بسالتهم، وما يحقّقونه من انتصارات رغم الفقر والدّمار، وأنا يا صديق العمر تعرف مدى حساسيتي، حتى لكأنّ روحي ضاربة الجذور في كلّ بقعة يقع فيها ظُلم، وهذا ليس بيدي أن أغيّره، حتى لكأنّه استحقاقي في ترتيب الوجود…”.

قاطعني قائلاً: “لا تشرح لي نفسك فأنا أحفظ كلّ بصمة من بصمات روحك، ولكنّني أقولها صادقاً أُشفق عليك، فليس لك من أفق، إلاّ صفحة التواصل الاجتماعي، وبعض ما تكتبه، وكلّ ما تقرؤه، وبعض ما تشاهده على فضائيّات التلفزيون حين تتوفّر الكهرباء، يا أخي أخرجْ فأنت محترم حيث حللتَ فيما أعرف”.

قلت: “ذلك من فضل الله، لقد حرصت على أن أكون مفيداً، ومنحازاً للحقّ حيث وُجد، وكم أخجل بيني وبين نفسي ممّا لا ينتسب إلى ما هو نوراني وإنساني، ولكنّ هذا كلّه ليس بديلاً عن الأنس الاجتماعي الذي فقدناه..”.

كعادته قطع الحديث ومدّ يده إلى ورقة أمامي وسأل بتطفّل شديد اللهجة: “ما هذه الورقة التي أمامك؟”.

قلت: “في هذه الورقة مقْطع من عهد الإمام علي (ع) للأشتر النّخعي حين ولاّه مصر، اسمع ما جاء فيها (… ثُمّ اللهَ في الطّبقة السّفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤسى، والزّمْنى، فإنّ في هذه الطبقة قانعاً ومُعْتَرّاً، واحفظ لله ما استحفظك من حقّه فيهم، واجعلْ لهم قسْماً من بيت مالِك، وقسْماً من غَلاّت صوافي الإسلام في كلّ بلد، فإنّ لِلأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكُلٌّ قد اسْتُرعيتَ حقّه، ولا يشغلنّك عنهم بَطَر، فإنّك لا تُعْذَر بتضييع التّافه لإحكامك الكثير المهمّ”، إلى أن قال: “وتعهّد أهلَ اليُتْم، وذوي الرّقّة في السنّ، ممّن لا حيلة له، ولا ينصب للمسألة نفسَه، وذاك على الوُلاة ثقيل، وقد يُحقّقه الله على أقوام طلبوا العافية فصبّروا أنفسهم، وَوَثِقوا بصدق موعود الله فيهم…”.

aaalnaem@gmail.com