دراساتصحيفة البعث

حركة طالبان بدعة أمريكية

د.رحيم هادي الشمخي

كاتب عراقي

 

المتتبع للأحداث في المنطقة يرى بكل وضوح ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية اليوم في العراق وسورية وليبيا واليمن والسودان من خراب ودمار وإثارة للفتن الطائفية والعرقية والاثنية من أجل السيطرة على منابع النفط والطرق الملاحية ونهب الثروات في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وتجنيد مرتزقتها الذين جمعتهم من كل حدب وصوب لتدمير المؤسسات الحضارية للشعوب المحبة للحرية والسلام.

ويأتي اليوم دور حركة طالبان الأفغانية، فبعد أن طردتها أمريكا من حكم أفغانستان منذ عشرون عاماً عادت لتسليمهم الحكم على طبق من ذهب. وحركة طالبان أساساً بدعة أمريكية جاءت بها أمريكا لأهداف جيوسياسية.

الباحثون الكبار في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها يتساءلون الآن ليس فقط عن تداعيات الفضيحة الأفغانية على المكانة الدولية لبلادهم، وإنما أيضاً عن تداعياتها على الشرق الأوسط، وحيث لابدّ أن تعود التنظيمات المجنونة إلى الظهور في غالبية بلدان المنطقة التي تعاني حتى من غياب المفهوم الكلاسيكي للدولة، ومع اعتبار أن الأساطيل لن تؤمن الحماية الأبدية للأنظمة القائمة في تلك الدول، وربما كان السؤال البديهي: متى يأمر جو بايدن بالانسحاب النهائي من العراق، الذي شئنا أم أبينا، لا يزال تحت الوصاية العسكرية، كما الوصاية الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية؟.

إن مشهد مغادرة الأمريكي لأفغانستان وإتلاف وثائق السفارة الأمريكية في كابول أعادنا إلى مشهد سقوط سايغون عام 1975 مع فارق بسيط هو إعلان انتصار قوات “الفيتكونغ” في معركتها على القوات الأمريكية، فيما لم تشهد أفغانستان معارك مشابهة بين طالبان والقوات الأمريكية. لقد اختلف بعض المفكرين من أفغانستان فذهب البعض إلى حد إعلان انهزام المشروع الأمريكي في أفغانستان وامتداداً في المنطقة وأننا بدأنا نعيش نشوء الانكفاء الأمريكي عن أفغانستان واستطراداً عن المنطقة.

أما البعض الآخر فيرى بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان ليس إلا ترجمة لنجاح الإستراتيجية الأمريكية القائمة على تثبيت مصالحها من خلال زرع الفوضى وإثارة الفتن والتقاتل من دون تكبد الخسائر المكلفة، وما يفرز فكرة نجاح إستراتيجية تثبيت المصالح الأمريكية هو التاريخ نفسه حيث إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تدخل أو تجتاح بلداً إلا وتركته ممزقاً مهزوماً تتنازعه الحروب الطائفية والعرقية محروماً من أبسط مقومات الإنسانية والعيش الكريم وبلا دولة قوية، منهوب الثروات المجيرة لمصلحة مافيات تأتمر بأوامر الغرف الأمريكية السوداء.

أمريكا تعاني من جبهة داخلية شبه مفككة وتراجع في ميزان الاقتصاد ونزف مستمر في الخزينة، إضافة إلى تكبدها خسائر بشرية فاقت 3000 قتيل وأكثر من 20000 جريح، جراء وجودها في أفغانستان، فكان لابدّ من الحد من التزييف الاقتصادي ومن الخسائر البشرية بالتوجه صوب تنفيذ الانسحاب، فيما وقفت الحكومة الأفغانية الموالية لأمريكا في كابول حائرة لا حول لها ولا قوة أمام القرار الأمريكي عبر المنسق معها، الأمر الذي يعزز فرضية الاتفاق السري بين طالبان والإدارة الأمريكية، وأن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان يصب في خانة الربح الأمريكي الصافي في إدارة اللعبة عن بعد ومن دون عناء أو خسائر، وما حصل في كابول ليس انهزاماً للقوات الأمريكية من أفغانستان والمنطقة بقدر ما هو “فيلم” أمريكي- طالباني لحفل تسلم وتسليم مع وجوب الحذر من إمكانية تكرار هذا الفيلم الأمريكي بنسخة عراقية- سورية لكن بإخراج أمريكي.

وهذا ما يثبت أن حركة طالبان عبارة عن بدعة أمريكية صنعت في دهاليز وكالة المخابرات الأمريكية، ونفذت كل الأوامر الأمريكية، لكن الأمريكان كعادتهم في النهاية يلقون بأصدقائهم في باب المقبرة.