الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

طوفان الحلم

سلوى عباس

في لحظة من ارتباك الروح خاطبها: يا أيتها القادمة من أعماق الزمان، تعالي خذيني إليك قطرة متعلقة بنهايات شعرك الأسود.. من أين جئت وإلى أين ترحلين بحزنك هذا.. آه يا هذا العمر، أي امرأة تلك التي تأخذك لمرافئ الحزن العتيق.. هل هذا يكفي.. لا.. فها هو زمن الياسمين بين يديك.. يا أيها الحزن المرتدي عباءة الياسمين كنت وراء اعتقالك أكثر فأكثر.. وها أنتِ الآن تطوقين عنقي بياسمينك.. ويرتديه القلب دفئاً آخر هو الاشتياق إليك.. وينفلت الشوق.. آه.. يا ياسمينها أي كفن أنت لجسد طالما تاه بعيداً وراء المعجزة.. من يعيدني الآن إلى يديك أغسل وجهي برائحة الياسمين وهو يتعمّد على صفحات راحتيها وقد قرأ النبوءة بعينه، وحمله ياسمينها إلى حيث هي فكانت نشوة الغرق؟

صباحك ندى كقطرات هذا الحزن المتساقط على نافذة عمري.. صباحك ياسمين، ولأن للروح عالمها الذي تهيم فيه كان هذا التوق لصوتك، لكلماتك.. أذهب للنوم باكراً والقلق يلوّن عينيّ، وهبط الحلم عليّ، وكان الطوفان سيد الحلم.. أن تحلم بالطوفان هو الجنون بعينه.. نعم أعترف أنني أشتهي البحر وعبق أنفاسه المخضّبة برائحة الولادة، مازلت أسمع نداء الغرق يتردّد في مسامعي وأنا أستحضر اختلاج قلبي مع صفحاته من إطلالة كورنيشه.. كان الوقت ليلاً، وكانت شهوة الانتحار تفوح وتفوح كما لو أنها عذبة شهية، ربما كان الدافع وراء هذا كله الرغبة في العودة إلى هذا الرحم الأكبر.. والعودة إلى جنين صغير يتكوّر على بعضه في انتظار الولادة الأخرى.

*****

بالأمس فتحت دفاتر ذكرياتها، وراحت تقلّب صفحاتها، تقرأ فيها تفاصيل أيامها الماضية، عندما كانت مساحة الحياة تتسع للكثير من الحب والحلم، ويحضر في وجدانها سؤال مرّ يجرّ وراءه الكثير من الأسئلة التي تحتاج لإجابات تفسّرها وتوضحها، لتبقى على قيد أمل أن تهبّ رياح على نبتة روحها المتوهجة في محاولة عاصفة لاستلاب تلك الحياة، وتتفجر شكواها أنيناً مكبوتاً بأن هناك شيئاً عزيزاً يتسرب من بين شرايينها تحاول الإمساك به.. إنها تداعيات عاشتها مع نفسها، لكنها عندما عادت إلى مرآتها رأت ملامح وجهها قد اختلفت، وكأنها وصلت إلى توافق مع نفسها أن تعيش الحياة كما هي بعيداً عن تعقيداتها ومتاعبها.

إنها المحبة التي يحوّلها إيقاع الحياة السريع إلى كائن يكاد ينزوي جوعاً، إنها المشاعر التي تجعل للعيش مذاقاً لاذعاً وحميماً، والتي بدونها لن نستطيع الحياة، فأيامنا بحاجة إلى زيادة مساحة الحب تجاه الآخرين وترجمتها إلى سلوكيات فاعلة واهتمام وجداني صادق، وفي قفرة العمر هذه مازلنا بحاجة إلى اتكاءات روحية ومشاعر متجذرة لا إلى أكوام ومستوردات مزيفة.. إننا بحاجة إلى إشراقة شمس حقيقية تنير عتمة أيامنا، ولنبقى كما تلك الذكريات التي صمدت في مكانها لسنوات تقاوم الحرب والدمار يحصّنها الحب فظلت متمسكة بالحياة في انتظار أصحابها الذين أرهق أرواحهم الغياب، ولم يستطع غبار الخراب الذي اعتلاها أن يمحو الأشواق والحنين من حناياها، فهل سنستطيع يوماً الفصل بين بديهيات الحياة، ونتذكر أن كل شيء فيها وقتي وعابر، فلنرتقِ بأفكارنا ونظرتنا للحياة، لتمنحنا حظها المشرق والجميل الذي نستحقه.