الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

الموظَّف والمُوَاطنة

عبد الكريم النّاعم

ليس من باب التسلية بالأفكار، ولا من باب تقطيع الوقت أو تضييعه، بل هي مسائل تشغلني أنا الذي كل أفقي الذي بقي لي لأتحرّك فيه هو البيت الذي أسكنه، صحيح أنني منقطع عن الاختلاط، ولكنني لستُ منقطعاً عن أخبار النّاس فما زلتُ في اللّجة، وممّا لفتني في لحظة من التفكير تلك العلاقة الماثلة الآن بين “المواطن”، آخذُ المفردة بمعناها المتداول، أي “المواطن المُراجِع” للدوائر الرسميّة، والموظَّف.

توقّفتُ أمام اشتقاق مفردة “موظَّف” فهي اسم مفعول تُشبه في دلالتها: مُرسَّم- موثَّق.. إلخ.

وتوقفت عند صيغة اسم “مَواطِن” فهي اسم فاعل تشبه في وزْنها: مناضِل – مُتابِع – مُقاتل.. إلخ.

الوظيفة لا تعني المُواطَنة بالضرورة، فلقد مرّ على هذه البلاد محتلّون، وغزاة، وأقاموا فترة من الزمن فوق هذه الأرض، وكان لهم موظَّفوهم، وبعضهم لم يكن من أهل هذا التراب، وكانوا “موظفين”.

الموَظَّف إنسان جرى تعيينه في مكان ما، للقيام بشأن هذا المكان الرسمي من حيث تصريف أعماله، فهو يأخذ في نهاية كلّ شهر راتباً مخصّصاً لقاء ما يقوم به في موقعه من أجل الاستجابة لشؤون الناس، وهو حين يكون سبباً في حدوث خلل ما، أثناء تأدية عمله يكون قد أخلّ بالشروط الضمنيّة المتعارَف عليها، قانونياً، وأخلاقيّاً، ووجدانيّاً.

الرشوة إخلال، لأنها ليست من حقه، المماطلة في الإنجاز، لأي سبب كان إخلال، عدم احترام المواطن إخلال، كلّ ثانية من الوقت تُهدَر إخلال، وهذا الخلل الذي يبدو أنّه طبيعة في بعض النفوس تقوّمه القوانين النّاظمة.

ثمّة أزمنة قد تُغيَّب فيها هذه القوانين بحيث تبقى حدودها النصّ الميت الذي لا يُطبَّق، فما الذي يبقى لهذا الموظّف من وظيفته سوى أنّها باب ارتزاق ونهب، نهب للوقت، ولما في جيوب الناس، وبذا تفقد “الوظيفة” معنى وظيفيّتها، وتُصبح موقعاً من المواقع التي يُغار فيها على قوافل الخلق، وبذلك تنحرف من حقل “الوظيفة” إلى حقل “اللصوصيّة”، لأنّ جميع ما يدخل مَن تكون تلك صفته هو “لَصّ”، وليس فيه شيء من الحلال، لا عرفاً، ولا أخلاقاً، ولا ديناً.

اللصوصيّة أيضاً تُصبح ذات ألوان وأشكال متعدّدة، فمن سارق للوقت، ومن سارق للجيب، ومن سارق للجاه بوجاهته المزيَّفَة، بمعنى أنّ كل ما لم يؤخَذ بطريقة شريفة هو “لَصّ” سوف يُسأل عنه ذات يوم، “وَقِفوهمْ إنّهمْ مسؤولون” قرآن كريم.

المُواطَنة ممتلئة بمعنى “المفاعَلَة”، والمشاركة، والتمسّك بالأرض المرتَسمة بمعنى وَطَنَ: استقرّ وأقام، وهذا يعني أنّ الذي يدير ظهره لوطنه في وقت الأزمات ليس من أهله، فهو طارئ عليه، كما أنّ الذين يساهمون في الفساد والإفساد هم طارئون كالغزاة، فالغزاة ينهبون، ويغادرون، بينما “غزاة الداخل” ينهبون ويستمرّون في الإقامة، وتلك سابعة الأثافي، لأنّ هؤلاء ولاؤهم الأوّل والأخير لمكاسبهم، وللثروات الحرام التي كدّسوها، والدليل أنّهم ما أن يشمّوا رائحة مساءلة ما، حتى يبادروا إلى أخذ منهوباتهم، والفرار إلى الخارج، فأية مواطنة هذه التي لا تتجاوز حمْل البطاقة الشخصيّة؟!!.

هذه الأخلاق ليست مؤبّدَة، ولا يمكن أن تكون مؤبّدة، بيد أنّ نواتجها أكثر فداحة في أزمنة الأزمات كالتي نمرّ بها، كما أنّ سيادة هذه الأخلاق ليست مؤبّدَة، ولكلّ زمن سمات أخلاقية تُعتَبَر عنواناً فيه، وهي تتحوّل بتحوّل التفاعلات الاجتماعيّة، بل تُعتَبَر التفاعلات المعنيّة عنصراً أساساً في صياغتها.

في ظلّ هذا الجو القاتم، لا بدّ من الإشادة بالمصابيح النّادرة التي لم تعرف الحرام، وظلّت كواكب ساطعة تُبشّر بأنّ شمعة واحدة تهزم جيشاً من الظلام.

aaalnaem@gmail.com