الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

فضاء الثقافة الخطير

عبد الكريم النّاعم

الحراك ذو الإيقاع السريع في العالم شمل كلّ شيء، لأنّه يهتمّ بكلّ شيء، والاهتمام هنا إحصائي، نفعي، وليس من الضرورة أن يتمتّع بروح إنسانيّة مهمومة بمسائل الفقر، وأسبابه، وكيفية التقليل من آثاره المدمِّرة، بل هي تضيفها إلى معلوماتها الاحصائيّة، ولا يعني هذا أصحاب الشأن، فهم غالباً ما يكونون مرتبطين بمراكز عالميّة، قد لا تتمتّع بالسمعة الطيّبة، وعلاقاتها غالباً بمراكز أبحاث تُشرف عليها القوى الرأسماليّة النّهّابة في العالم، ولا يُغيّر من هذه الحقيقة تلك الشعارات التي تُرفع للتغطية والتمويه، لأنّ هذه المراكز لو كانت صادقة لاستطاعت أن تُحدث تغييرات نحو الأفضل في أكثر من ميدان، بينما نشاهد العكس، وهو تراجع قيم الثقافة الإنسانيّة، وارتفاع حضور المؤسسات الاستهلاكيّة، والشركات القابضة، وانتشار الفقر، لاسيّما في البقعة التي نحن فيها، وعلى رأس تلك القيم الظالمة الدعم اللامحدود للصهيونيّة، ولحكومة تلّ أبيب، وإدارة الظهر للقضيّة الفلسطينية، يساعدهم على ذلك سجناء دهليز أوسلو المشبوه بداية ونهاية، وإلى زمن لا نستطيع تحديد مداه.

لقد انفتحت آفاق الثقافة، كتعريف، وكمثول، فشملت الآن بعناصرها القديمة (الأدب – الفنون – الموسيقا – الرقص الشعبي – القصص الشعبيّة – العادات – التقاليد.. إلخ، ويُضاف إليها الثقافة الماديّة المتعلّقة بالتّقنية، والاتصالات، والنقل، والطاقة)، الدراما السائدة والتعليم والانضباط والتعاطف وفهم معنى الحياة وحكاية الأجيال المقبلة والمسؤوليّة. وهذا الاتساع في المفهوم يتبعه اتساع في الآفاق التي علينا أن نتحرّك فيها، كمثقّفين، أو كمحبّي ثقافة، أو كمنتمين للتطلّعات الإنسانيّة الوضيئة، ولست أعني الأفراد فقط، فمع الإقرار بالدور الفردي المحدود، يظلّ الرّهان على دور المؤسسّات الرسميّة بما لها من قدرات في الكوادر، والمال، وإمكانيّة التنفيذ، والذي أُنشئت من أجله، ولا يُغيّر من هذه الحقيقة قصور المؤسسات المعنيّة، فقد أُنشئت أصلاً من أجل أن تُحقّق أهدافها، فإذا أصابها خلل فهو ليس من أهدافها بل من عللها النّاتجة عن أمور أخرى.

هنا لا بد من الإشارة إلى مسألة التثاقف، وقد تضاعفت فاعليتها أضعافاً لا تُحصى نتيجة وسائل الاتصال، والبث التلفزيوني الذي لا ينقطع، ولم يعد أحد يستطيع ضرب ستار حديدي، أو إقامة جدار عازل، فقد دخلت وسائل التقنية كلّ بيت لدرجة أنّها صارت تلعب دوراً كبيراً وخطيراً في تربية أبنائنا، وهذا يجعل المهمّة مضاعفة، لاسيّما في الظروف التي مررنا بها، والتي ما تزال مستمرّة المفاعيل، ونحن بحاجة للانفتاح على ثقافات العالم ذات المحتوى الإنساني، ومنها التثاقف، بصيغته القائمة، والتي تتحكّم في معظمها مؤسسات تابعة لمراكز القوى العالميّة، والتي يغلب على توجّهاتها أنّها تنطوي على شبهات متعدّدة، لأنّها تابعة لمراكز النهب والرأسماليّة المتوحشة،.. يُفترض أن نتعامل بحذر، وحنكة.

تحدث عمليّة التثاقف “عندما تنتشر ثقافة جديدة على نطاق واسع، فتطغى الثقافة الجديدة على الأصليّة”.

لننظر إلى ما الذي تغلغل في أعماق أجيالنا، في زمن غياب فعل التثقيف الوطني الممنهج، والفلتان العام، حتى لكأن الفوضى هي الأساس الذي يُبنى عليه، فشبابنا المعاصر قد يحصل على شهادة جامعيّة، ولكنه لا يحمل من عمق الثقافة ما يوازي تلك الاجازة، لأنه حفظ موادها الدرسية، فنجح،.. لنتأمّل بعض الظواهر الطاغية: البنطلون الممزّق للشباب وللفتيات، أنماط عجيبة غريبة من حلاقة الرأس، عكوف مفرِط على الموبايلات، حتى أنّ البعض لا ينام إلاّ وموبايله تحت وسادته، رغم كل التحذيرات الخطيرة التي تحدّث عنها الخبراء، إتقان لألعاب الكمبيوتر على الموبايل لدرجة الإدمان، والهوَس، إلى آخر ما تعرفونه،!! تُرى أبهذا يتمّ ترميم ما تهدّم، وتشييد ما يجب تشييده؟!!

Aaalnaemgmail.com@