مجلة البعث الأسبوعية

آني إرنو، نوبل للآداب 2022 روايات في السيرة الذاتية والاجتماعية والنسوية

جمان بركات

ولدت الروائية الفرنسية آني إرنو في الأول من أيلول عام 1940، وعاشت طفولتها ويفاعتها في مقاطعة النورماندي، عاش أبواها في وسط اجتماعي شعبي عاملين بسيطين قبل أن يتمكنا من فتح بقالية صغيرة، لكن طموحهما وعملهما الدؤوب أوصلاهما إلى تحسين أوضاعهما، وإلى تعليم ابنتهما التعليم الجامعي، فدرست آني إرنو في جامعة روان ثم في جامعة بوردو، وبعد أن أنهت دراستها بدأت العمل على أطروحة جامعية لم تكتمل بسبب انشغالها بالعمل والتدريس في المدارس بداية السبعينيات، قبل أن تنتقل إلى المركز الوطني للتعليم عن بعد.

بدأت إرنو حياتها الأدبية عام 1974 حين نشرت روايتها الأولى “الخزائن الفارغة“، وفيها تكتب عن طالبة جامعية تدرس الأدب الحديثهي الكاتبة نفسها التي نجدها حاضرة في كل أعمالها. ولهذا نجد موضوعاتها مستمدة من حياتها الشخصية ومن تجربتها الحياتية التي اتضحت وارتسمت في رواياتها، وقد جمعت فيها بين الحالة التاريخية للحقبة التي تتناولها وبين تجربتها أو تجارب أسرتها ضمن هذه الحالة، ودمجت بين المعطيات العامة والخاصة. كما رصدت محيطها الاجتماعي والصعود الطبقي في المجتمع ممثلاً بأسرتها، وتحدثت أيضاً عن علاقاتها العاطفية والجنسية لاسيما علاقتها الأولى والإجهاض الذي أقدمت عليه وظل موضوعاً مهيمناً على ذاكرتها وأيامها وانتقل بجرأة إلى أعمالها.

حققت إرنو شهرتها الواسعة مع فوزها عام 2008 بجائزة رونودو عن عملها الروائي “المكان” الصادر في العام 1983. كما اتسعت آفاق شهرتها بعد حصول روايتها “السنوات” 2008 على عديد من الجوائز، ونالت عن أعمالها الأخرى عدداً من الجوائز الفرنسية والأوروبية مثل جائزة الأكاديمية الفرنسية، وجائزة مارغريت ديوراس، وجائزة فرانسوا مورياك، وغيرها، يضاف إلى ذلك أن دار غاليمار الفرنسية الشهيرة -وهي أكبر دار نشر في فرنسا- هي من قام بنشر معظم أعمالها، كما تلقت قبولاً واضحاً في الوسط الأكاديمي يدلل عليه عدد الرسائل الجامعية التي كتبت عنها. لكن المكافأة الأكبر هي نيلها هذا العام 2022 على أعلى جائزة أدبية تمنح في العالم وهي جائزة نوبل التي منحت لها لما تتصف به أعمالها من جرأة ودقة في مقاربة أصول الاغتراب والقيود الاجتماعية والذاكرة الشخصية، تتمتع كتابات آني إرنو بقوة التحدث عن الأمور الشخصية التي تسرد بصيغة المتكلم، وكذلك عن الأمور العامة المجتمع، لاسيما ما يتعلق بالتمييز على أساس الجنس والطبقة، لقد حاولت إيجاد ذاكرة روائية تقدم الذاكرة الجمعية من خلال ذاكرة فردية.

أصدرت إرنو نحو عشرين عملاً تمحورت جميعها حول علاقاتها الاجتماعية والخاصة والحميمية، والدفاع عن المرأة والمطالبة بتحررها وبمساواتها، والموضوعات الاجتماعية والتفاوتات الطبقية وغيرها من منظور السيرة الذاتية للكاتبة. ويتداخل في أعمالها عموماً ويتقاطع القص الروائي مع الذاكرة الاجتماعية مع الذات الفردية أو الأسرية الخاصة، وربما من المفيد -بمناسبة فوزها بجائزة نوبل للآداب قبل أيام- أن نعرض للأهم بين أعمالها بتعريفات موجزة تبين موضوعاتها.

في روايتها الأولى “الخزائن الفارغة” 1974: ترسم معالم طفولتها في النورماندي، وهذا موضوع سيشغلها في أعمالها اللاحقة كما موضوعات أخرى مثل شخصية الأب في رواية “المكان” والأم في رواية “إمرأة”، وكذلك الإجهاض الذي ستعاود الحديث عنه بجرأة أوسع في رواية “الحدث“، والصراع الاجتماعي، والعلاقة المتوترة بين الوالدين، والوسط البرجوازي الذي تعاني منه أثناء دراستها الجامعية.

المرأة المتجمِّدة” 1981هي الرواية الثالثة لآني إرنو. وتصنف أيضاً في السيرة الذاتية حيث تستعيد فيها طفولتها دون قيود، تشرح نشأتها مع أبوين مختلفين في الطباع: أب رقيق وأم قوية صارمة. تدعم فكرتها حول المرأة واستقلالها وتحررها بنماذج من نساء كن في حياتها آنذك كوالدتها وجدتها خالاتها، وكلهن ​​نساء قويات ومستقلات. لقد نشأت معهن، وقمن بتعليمها الصور النمطية لعدم المساواة الاجتماعية بين الرجال والنساء. تعكس في هذه الرواية صورة المرأة وحالة النضال الداخلي للنساء الباحثات عن التحرر في فرنسا. وتتمكن من أن تفرض نفسها متحدثة باسم جيل كامل من نساء عقد الستينيات من القرن الماضي. وهذا ما أضفى على الرواية طابع رواية تاريخية للنسوية أسهمت في تحفيز عدد كبير من النساء لإطلاق الحركة النسوية بفضل مقاربتها للسيطرة الذكورية، وتسليطها الضوء بمهارة على تحرر المرأة.

روايتها الرابعة “المكان” 1983، سيرية ذاتية اجتماعية كتبت بين عامي 1982 و1983 تناولت الكاتبة فيها الصعود الاجتماعي لوالديها وظروف عملهما وأمنياتهما المستقبلية، وجاء العمل بمجمله تقديراً لهما، إنها قصة حياة بسيطة، بمفردات بسيطة وجمل مجردة للغاية. تدخل إرنو تحولاً مهماً في هذه الرواية على أسلوبها الكتابي، فتبتعد عن الخيال والمجاز والاهتمام الجمالي وفن القول لتقترب أكثر من الواقع والحقائق والأمور الجوهرية والضرورية في الحياة.

تبدأ القصة بالوفاة المؤلمة للأب، فتنقل وقائع حياته، وتسهب في عرض ذكرياتها أيام الطفولة معه، وتعلن المؤلفة أنها تنوي وصف حياة والدها بأكبر قدر ممكن من البرودة والحيادية، وبكتابة مسطحة وبلا عاطفة.

أما روايتها “شغف بسيط” 1992، فتنقل فيها وقائع سيرتها الذاتية من خلال علاقتها برجل أعمال متزوج تعود أصوله إلى أوروبا الشرقية. تعرضت الرواية لانتقادات كثيرة، لكنها طبعت ما يزيد على 200000 نسخة، وترجمت إلى اللغات الأوروبية وفي أمريكا واليابان.

وكذلك هي رواية “العار” 1997 سيرة ذاتية تتناول فيها بجرأة بالغة الخبر الذي ساقته في بداية الرواية والذي يقول: “حاول أبي قتل أمي بعد ظهيرة يوم أحد من شهر حزيران”. وهو الحدث الذي يسيطر على الرواية بأكملها. فقد أدى ذلك إلى بحث الأسرة عن تحسين وضعها الاجتماعي بعد العذاب والدموع وسوء التقدير والأوضاع التي تجلب العار والشعور بالسخط. في العام نفسه عاشت آني صراعاً حاداً بين ما تفرضه أمها المتدينة المواظبة على زيارة الكنيسة والمدرسة الدينية الخاصة التي وضعتها فيها لتحصل على تربية صارمة بعيدة عن الحياة اليومية المعتادة، وبين التطلع إلى عالم آخر فيه الحرية والحياة الطبيعية للناس. وصفت في الرواية بالتفصيل مدرستها ومدرساتها وقوائم الممنوعات الطويلة الموضوعة فيها كالأفلام والكتب التي لا تتماشى مع التعليمات الصارمة. حاولت القول إن هذا العار الذي تعيشه أصبح بالنسبة إليها طريقة حياة تتغلغل في كل حواسها.

وتتكرر السيرة الذاتية في “الحدث” 2000 حيث تعتمد على مذكراتها المكتوبة عامي 1963 و1964. فبعد تلقيها نتيجة التحليل المخبري تتأكد أنها حامل. اتخذت قرارها بالإجهاض لكن القانون يمنعه في ذلك الوقت -وبقي ممنوعاً حتى إقرار قانون سيمون فيي عام 1974 أثناء رئاسة جيسكارديستان. تصف الرواية المعركة التي تواجهها بمفردها هذه الطالبة الشابة من أجل السماح بالإجهاض، وتقاطعها مع وقت كتابتها للرواية. كانت مستعدة لتفعل أي شيء للوصول إلى هذا الحل ولو خالفت القانون. قامت بالعملية، وبقيت هذه الحادثة علامة فارقة ومؤثرة في حياتها كلها. تعرض الرواية فكرتين متناقضتين:فهي لم تستطع تحديد ما إذا كان الإجهاض ممنوعاً لأنه سيء، أم أن السوء في مخالفة القانون؟ وتبرز كيف بإمكان فتاة شابة أن تواجه الأطباء الذين يرفضون إجراء العملية لها، والأشخاص الذين ينظرون إليها بازدراء، والمحرمات المفروضة على الحياة الحرة للإنسان.

وتتنقل الكاتبة في”السنوات” 2008، بين عدد من الصور المحفورة في ذاكرتها وروحها والتي تمتد على أكثر من ستين عاماً من 1941 إلى 2006. تختار المؤلفة هذه الحقبة التي عاشتها لما لها من أهمية في رصد معالم التغيرات الاجتماعية وتأثيراتها المهمة على شخصية الكاتبة، فتجمع بين سيرتها الشخصية والوضع الاجتماع والحالة الجمعية العامة معاً. إنها سيرة حياة امرأة موزعة على ستين عاماً. صنفت هذه الرواية بين الروايات المئة الأكثر إعجاباً، وقيل عنها إنها أفضل رواياتها، وإنها كتاب عظيم وجميل، ونالت عدداً من الجوائز المهمة في فرنسا وأوروبا. ترسم هذه الرواية لوحة ضخمة لسنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث كانت آني إيرنو طفلة تعيش في النورماندي بفرنسا وصولاً إلى زمن كتابتها. وتعد هذه الرواية من أهم أعمال إرنو وأكثرها اتساعاً وجذباً.

وتروي آني إرنوفي “الشاب” الصادرة قبل أشهر من هذا العام في بضع صفحات (37 صفحة فقط)وبضمير المتكلم، علاقة عاطفية عاشتها الكاتبة قبل عقود مع طالب كان أصغر منها بحوالي ثلاثين عاماً. يعد هذا النص مفتاحاً لقراءة أعمالها في علاقتها بالوقت والكتابة. وكانت قد ألمحت إلى هذه الشخصية في أعمال سابقة دون أن تحددها. وربما أرادهذا الاختيار من طرح علاقة غير المتكافئة بوجه ما بين حبيبين أو زوجين، ومثالها هنا الاختلاف الاجتماعي وفارق السن، إثارة الدهشة والغرابة روائياً وواقعياً.

الأسلوب

يرى بعض النقاد أن أسلوب آني إرنو يندرج تحت عنوان “الكتابة المحايدة” أو ما يطلق عليه اسم “الكتابة المسطَّحة” التي نرى فيها جملاً لا تلتفت إلى الاستعارات والتخييلات، ويغيب عنها تدفق العبارات المتشابكة، ولا تحدث تأثيرات مهمة لأنها مقطَّعة بطريقة حادة. إنها -كما يضيفون- كتابة سريرية معدنية لا نبض فيها. وهي بذلك تختلف كثيراً عن نظريراتها في الكتابة الروائية. لكن يسجَّل لإرنو بالمقابل حماسها في محاكمة القضايا التي تطرحها. فهي تحافظ على الأسلوب الموضوعي، وتقدم الوقائع التي تسردها دون انحيازات، وتسعى للمحافظة على الانسجام مع الحقائق التاريخية، لدرجة يبدو فيها هذا الأسلوب وكأنه توثيق أكثر مما هو تخييل روائي. وتعلل اختيارها له بأن الشكل الروائي بأساليبه التشعبية والمجازية خيانة للحياة البسيطة التي عاشتها وعاشها والدها. ولذلك ينسبها كثيرون إلى اتجاه الرواية الجديدة الذي شاع في فرنسا منصتف القرن الماضي.

لا تؤمن آني إرنو بوجود موضوع شعري أو أدبي بحد ذاته. فهدف الكتابة أساساً زعزعة الطبقات الأدبية والاجتماعية وذلك بالكتابة بأسلوب مشابه للأشياء التي قد لا تكون جديرة بالتعبير عنها في الأدب مثل محلات “السوبر ماركت” ووسائل النقل العامة وغيرها. وتعلن أنها تحاول الكتابة عن لغة عالم العمال والفلاحين الذي عايشته حتى انتقالها إلى الجامعة، وصرحت أن ما يهمها هو “العثور على الكلمات التي فكرت فيها بنفسي وبالعالم من حولي”، ولا تبالي بالصيغ والأشكال الفنية والتعبيرية.

مواقفها

تميزت آني إرنو بالتزامها الدائم مع اليسار الفرنسي، واصطفت إلى جانبه في الانتخابات العامة. وانضمت في آخر انتخابات للرئاسة الفرنسية إلى التجمع الذي ضم شخصيات من النقايات العمالية والمواقع الثقافية والفكرية لدعم وصول جان لوك ميلانشون مرشح اليسار الفرنسي البارز. ووقفت ضد العنصرية والسياسات الاستعمارية التي غالباً ما يتهم مناهضوها بأنهم عنصريون ومعادون للسامية وغير ذلك من التهم الجاهزة. وهي من الشخصيات الفرنسية الناشطة في مناهضة أعمال إسرائيل العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني والدول العربية الأخرى. ووقعت في العام 2018 بالتعاون مع شخصيات مثقفة على عريضة لمقاطعة الموسم الثقافي الفرنسي-الإسرائيلي الذي يعدّ واجهة لتسويق “إسرائيل” على حساب الشعب الفلسطيني. ودعت إلى مقاطعة مهرجان الأغنية الأوروبية الذي أقيم في “تل أبيب” عام 2019. كما دعمت مع شخصيات فرنسية كثيرة حركة السترات الصفر التي تحركت في العام 2018 ضد سياسات الرئيس الفرنسي ماكرون.

مهما يكن من اختلاف حول أعمال إرنو ومستوها الفني فإنها ستبقى الفائزة بجائزة نوبل لهذا العام 2022.